(26) نقش في الحجر: “ذكريات عمرها نصف قرن عن”حسناء متمردة لعوب” تحوم حولها الشبهات!!




وناقوس الذكريات، يدق اليوم من تحت ماء وفير هو هبة كبيرة من السماء، آن أوان الالتفات اليها بشكل جاد واستثمارها بشكل ينسينا مآسي العطش والجدب والجفاف، بعد امتلاء الأنهر والخزانات والبحيرات بكميات تدعو الى التفاؤل.، رغم ما يلازمها من احتمالات لسيول وفيضانات لستُ واثقاً كم نحن مستعدون لها حسب ما تفيد به معطيات كثيرة تتحدث عن حالها كل يوم.
الحقيقة الصارخة الأخرى تقول إنّ استيعاب كل هذه الكميات من المياه، يتطلب “أحواضاً” نظيفة خالية من الطمي والشوائب والفضلات وأنواع النباتات الضارة من قصب وغيره، تأكل جميعها من أحجام أوعية ضخمة يفترض أنْ تُكرَّس للثروة التي منحتنا إياها الطبيعة هذا العام.

وبالعودة الى ناقوس الخطر ذاك، تحيلني ذاكرتي الى تحقيق صحفي كتبته في صيف ما من الثمانينات، تناول الخطر الذي تشكله “زهرة النيل”، سريعة الانتشار، بالغة الأضرار، لما تحتله من مساحات وسط المياه، تعيق جريانها وتقتل أحياءها، ويُعدها الخبراء من”أكثر النباتات المائية الغازية خطورة في العالم”.. انها تفترس الماء نفسه!!
كل نبتة تستهلك كميات تتراوح بين لتر الى خمس لتراتٍ يومياً من الماء الذي يشكل 95 بالمائة من وزنها! وتهديدها مباشر للصحة العامة كونها “بيئة خصبة لتكاثر الحشرات والقواقع الناقلة للأمراض، وعلى رأسها قواقع البلهارزيا، ومأوى للزواحف مثل الثعابين”. وخطورتها كبيرة على الثروة السمكية ايضا لان مجمعاتها وتكتلاتها تحجب ضوء الشمس والاوكسجين وتمنع بلوغهما الى الاعماق، بما يكفي لنفوق الأسماك وغيرها من الأحياء.

وقد تعتريك دهشة ما عندما تعرف أنّ هذه النبتة ومثيلاتها أدت في زمن لا أتذكره، الى انقطاع التيار الكهربائي في بلدان أفريقية بعد أنْ سدت فتحات السدود ومحطات توليد الطاقة، فما بالك بالبنى التحتية الأخرى؟
ولن أطيل الكلام عن تلك الاخطار، لانني ساحتاج الى ملء صفحات كثيرة بمعلومات وفيرة لست بصددها أو ذكر مصادرها. ومن يريد المزيد ما عليه الا الذهاب الى العم “غوغل”، حتى ينتابه شيء أكثر من القلق يصل حد الاستهجان!
وهي مشاعر راودتني خلال مهمتي تلك، عندما تحولتُ الى “خبير” نباتي، عاش أياماً من البحث والاستقصاء مع المسؤولين المعنيين زمنذاك، متصوراً أنهم توصلوا الى وضعِ خاتمةٍ لفصول تلك الكارثة البيئية، وانها باتت حكاية من الماضي. لكنني اكتشفتُ الآن انني مخطئ في تقديري إذ أنّ أنباء الحرب عليها ما تزال تطفو على سطح مياه تزداد غزارة، ولم تعد راكدة، لكنها تشكو أنواعاً من التلوث.

وآخر ما اطلعت عليه في هذا الصدد، تقرير يبدو “مشجعا” بثته وكالة “شفق نيوز” يحمل تاريخ 24 نيسان 2026، عن جهود وزارة الموارد المائية في مكافحة النبتة، بإمكانكم الاطلاع على صورة منه مع هذا التحقيق، الذي أتمنى ألّا أعود الى تناول موضوعه يوماً، عن نبتة، أكره الحديث عن أصلها وفصلها، إذ تنتابني ضحكة بطعم الخيبة، وأنا استعيد مشهد صحفي حمل أعداداً من تلك “الزهرة” الجميلة جداً الى بيته في بغداد قبل نحو نصف قرن.






