تحليل سياسي

ما بقي من “الحرب”..ما بقي من “اتفاق سلام”؟!

     القادة الإيرانيون (الغائبون منهم والحضور)، صاروا ينتزعون (إعجاب خصومهم قبل حلفائهم) بمسألتين اثنتين في الأقل، أولاهما (الصبر على الأذى في حرب ضروس)، وهم يواجهون ترسانة أكبر دولة في العالم، وشراسة كيان انتقامي تدميري في المنطقة!. وثانيتهما: أنّ الآلة الحربية الإيرانية أحدثت (صدمة كبرى) بقدرتها على دك تل أبيب وسائر المدن الإسرائيلية بقوة ، حطمت أسطورة (الدولة التي لا تُقهر) المحمية بـ(القبّة الحديدية) وبتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي!.  

     لم تتضح بعدُ طبيعة (المقترح الأميركي) الذي تراجعه إيران لإنهاء الحرب؟.. ولم يُعرف شيءٌ رصين عن حقيقة ألـ 15 نقطة أو شرطاً التي أثارتها الولايات المتحدة؟!.. وكيف تأثرت الأسواق العالمية (الأسهم وأسعار النفط) بالأخبار المتعلقة بخطة إنهاء الحرب؟.. ثم ما أبعاد زيادة التحشيد العسكري خلال الأيام الماضية، وإطلاق عنان الاحتمالات للحديث عن قوات برية ومظلية وبحرية للسيطرة على مضيق هرمز، وجزيرة “خرج”، وتنفيذ مهمة البحث عن اليورانيوم الإيراني؟.. وما قصد ترامب من عبارة “إيران هُزمت عسكرياً”؟.. وبإزاء كل ذلك ما الدور الذي تحاول دول مثل باكستان وتركيا ومصر القيام به في هذا النزاع؟..

      إن حجم (وعود المباحثات بوقف الحرب) يأخذنا إلى ما جرى قُبيل “حرب ألـ 12 يوماً” وما سبق “الحرب الحالية” أيضاً.. السيناريو نفسه، ففي غمرة الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق، تحدث المباغتة بإشعال الحرب!. لهذا يصعب الركون إلى إمكانية تحقيق اتفاقية (سلام دائم) كما تريده إيران، فمنطق “التهديد بتصعيد غير مسبوق ضد إيران”، والتركيز على “اعتراف إيران بالهزيمة، أو مواجهة ضربات أقسى”، لا تتسق مع المساعي الدولية للوساطة فيما دخلت الحرب الطاحنة أسبوعها الرابع. وثمة (خيطٌ واهٍ) لم تقل إيران عنه شيئاً، بزعم أنها تدرس الآن مقترحاً أميركياً لإنهاء الحرب.

     إن ما يجب التنبيه إليه هو أن التحشيد الضخم للترسانة العسكرية على مقربة من شواطئ إيران، ليس استعراضاً عبثياً، وهذه القوة الضاربة تُحبط الكلام عن “بحث ترامب عن مخرج من مأزقه” وأنّ “الداخل الأميركي يكاد ينفجر ضد ترامب”.   

     قلنا إنَّ ترامب يميل إلى رفع سقف التهديد، لفرض شروط أفضل!. وما حديثه عن (هزيمة عسكرية إيرانية تعترف بها) إلا محاولة لفرض قبول النظام باتفاق ذي شروط أقسى “أمنيّة-نووية-إقليمية”. هذا يعني أن الرئيس (وهو مهوّوس بقوته) يحتاج أن يعطي انطباعاً بالسيطرة أمام قاعدته السياسية، حتى لو كانت الخيارات الواقعية أكثر تعقيداً.  

    دعنا نبتعد عن بؤس الكلام على (بحث ترامب عن مخرج من مأزقه)، والتركيز على إمكانية (تنازلات إيرانية) مقابل وقف تصعيد تدريجي، يضمن اتفاقاً مرحلياً يمكن تسويقه في الداخل الأميركي على أنه “انتصار”، وبوسع إيران أيضاً أن تتحدث عن “انتصار”، مضمونه بقاء النظام، برغم التضحيات والخسائر الفادحة، وضمان تجنب حرب طويلة مكلفة وغير مضمونة النتائج.  

        قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، يوم الأربعاء إن الرئيس دونالد ترامب سيضرب إيران بشكل أقسى إذا لم تعترف طهران بأن البلاد “هُزمت عسكريًا”. وأضافت للصحفيين خلال مؤتمر صحفي: «الرئيس ترامب لا يمازح، وهو مستعد لإطلاق العنان للجحيم. وعلى إيران ألا تُخطئ في التقدير مرة أخرى”!. وتابعت: «إذا فشلت إيران في تقبّل واقع اللحظة الحالية، وإذا لم تفهم أنها قد هُزمت عسكريًا — وستستمر في ذلك — فإن الرئيس ترامب سيضمن أن تتعرض لضربات أشد مما شهدته في أي وقت مضى”.

      ومع دخول الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أسبوعها الرابع، تبذل عدة دول مثل باكستان وتركيا ومصر جهودًا للوساطة. وقال مسؤول إيراني رفيع لوكالة رويترز يوم الأربعاء إن إيران لا تزال تراجع مقترحًا أمريكيًا لإنهاء الحرب، رغم أن ردها الأولي كان سلبيًا، مشيرًا إلى أن طهران لم ترفضه بشكل قاطع حتى الآن.

    وأوضحت ليفيت أن المحادثات مع إيران ما تزال جارية، قائلة: “المحادثات مستمرة، وهي مثمرة كما قال الرئيس يوم الاثنين، ولا تزال كذلك”. ونقلت وسائل إعلام يوم الثلاثاء، نقلًا عن مصادر لم تسمّها، أن واشنطن أرسلت إلى طهران خطة من 15 نقطة لإنهاء الحرب. وقالت ليفيت يوم الأربعاء إن بعض عناصر هذه التقارير غير دقيقة تمامًا، لكنها لم تقدم تفاصيل.  

    وأضافت: «البيت الأبيض لم يؤكد أبدًا تلك الخطة الكاملة. هناك بعض العناصر الصحيحة فيها، لكن بعض ما قرأته لم يكن دقيقًا بالكامل، لذلك لن أتفاوض نيابة عن الرئيس من على هذا المنبر”.

واستعادت أسواق الأسهم العالمية بعض مكاسبها، بينما تراجعت أسعار النفط يوم الأربعاء عقب التقارير حول الخطة، إذ يأمل المستثمرون في نهاية حرب عطّلت إمدادات الطاقة العالمية وأثارت مخاوف بشأن التضخم!.

مقالات ذات صلة