تحقيق

 (14) نقش في الحجر: عندما يقول البصري الطَّيب: هذا مكانك الصحيح!!

       منذ الطفولة وانا اتوق الى رؤية البصرة، حيث الطيب والكرم اسلوب حياة، والثقافة والفن والعلم والاصالة زاد ديمومتها. كتبتُ عنها كثيرا، وكان لكل زيارة طعم ولون، حتى جاء اليوم الذي تحولت فيه السعادة الى شقاء، وانقلب الفرح الى أسىً، ظننته لن يطول، واكتشفتُ كم انا مخطئ، عندما وجدت ان النخيل مازال ينتظر من يمسح عنه الاحزان.

      أول مرة حَللتُ بها في البصرة مطلع السبعينيات، اصطحبتُ خلالها والدي الراحل بقطار الليل النازل من بغداد، وهاجسنا الأكبر أن يثقل “الريل” من خطواته عند اختراق الأهوار . “كم من السنين هربت من أعمارنا ونحن في غياب قسري عن لقاء جزء من وطن ولدنا فيه، أدهش العالم، لكننا افتقدناه طويلا حتى رأيناه متأخرين؟”.. كان ذلك السؤال يدور بنبرة عتاب قديم او ذنب ارتكبناه داخل رأسينا الملتصقين بزجاج نافذتين متجاورتين، وسطَ بسمات مسافرين هادئين، لا يبدو عليهم الاستغراب من رؤية مشهد كهذا.

     قبل ان نصل بوقت قصير أبلغتُ أبي بأنني اخترتُ النزول في فندق وسط المدينة، يتيح لي حرية التحرك بأوراقي وكاميرتي خدمة لمهمتي الصحفية، على ان يذهب هو وفق تخطيط مسبق عند ابن عمته “أنيس” الذي يسكن البصرة منذ عقود. لكن، ما هي إلا ساعة أو أقل حتى سمعت طرقاً مهذباً على باب غرفتي لأرى ولده “مالك” الذي انتزعني من الفندق انتزاعاً و اخذني بسيارة أجرة الى بيتهم في “الجمهورية”.. الى “حيث يجب ان اكون.. في المكان الصحيح”.! هذا ما قاله لي الجميع وهم يعانقونني واحداً تلو الآخر.

      وتذوقتُ شهد الحفاوة ذاتها بصورٍ مشابهة عند بصريين آخرين ألتقي بعضهم للمرة الاولى، يتدفق مثل جداول وينابيع جبلية ساعة ذوبان الثلوج.. أقارب من عائلة “غزالة” الألقوشية يعملون في طاقم استقبال فندقِ “أور”، لم يتركوني أغادر حتى حصلوا على موعد مني لتناول أشهى “طقم” باجة “مْعَدَّلْ”. المصادفة وحدها قادتني اليهم، عندما طلب مني زميلي أيام الجامعة “يوسف شعبان” انتظاره هناك، ليصطحبني الى سهرة في محيط شارع “الوطن” مع إصرار مسبق على غداء في بيته في اليوم التالي بأبي الخصيب، كي أتذوق ولأول مرة في حياتي طعم الروبيان متوسطاً أطباق الرز و”الرّوبة“.

     وقبطان الباخرة العراقية الذي أخجل ان اقول أنني نسيت اسمه، الذي ما ان فرغت من مقابلتي معه حتى أقسم أنْ أكون ومن بمعيتي ضيوفاً على العشاء في منزله، ليتواصل الكلام على ابحارٍ عراقيّ ينفتح على المعمورة ويفتح ذراعيه اليها. وليلتها كان “الزبيدي” المشوي سيد المائدة مع الرز العنبر وألذ مرقة كاري.

    وأما مضيفتنا “أم مالك”، فتعاتبني بشدة مع ابنتها قائلة: متى تخصصون” لنا بعض الوقت كي نُعِدَّ “لكم” وجبة “الصْبور” الشهيرة؟!

      وأكاد أجزم، ان ما احدثكم عنه الآن، سيجعل لعاب الكثيرين يسيل وهم يشمون رائحة تلك الاطعمة التي تفتح الشهية، لكنّ ما يفتح النفس صدقاً هو طريقة الدعوة النابعة من أصحاب تلك القلوب الكبيرة. وهنا قد تُفاجا أو لن تفاجأ عندما ترى بصرياً يخاطبك بلغة الجماعة دلالة على الاحترام الكبير : انتو شلونكم؟ وين تروحون؟ شتريدون؟ شسويوتو اليوم؟ فترد عليه بما اعتدته من أسلوب المخاطبة لكنه يستمر على طريقته حتى تزول الكلفة وتدخل “الميانة”علاقة الطرفين.

      في شوارع البصرة وحاراتها و أسواقها ومدنها وبلداتها، ترى وجوهاً باسمة كأنك تعرف أصحابها منذ زمن طويل. من شارع الوطن الى سوق الكويت الى سوق حنا الشيخ، من العشار و المعقل الى التنومة الى ابي الخصيب والزبير و الفاو وام قصر، ترى الطيبة ذاتها والكرم عينه، امتداداً لخصال عراقية متوارثة.

     والمعارف والاصدقاء هنا كثيرون. ومنهاجي النهاري مازال مزدحما، كي أُكَوِّنَ او بالاحرى أُعَمّق صورة في ذهني عن واحة نشأت على حب الموسيقى والفنون والتراث والثقافة والعلم والمعرفة، دَخلتْها روح معاصرة أسهم في ترسيخها النفط والموانئ والسكك والنخيل والصناعات المتطورة، ونهضة عمرانية ملموسة.. أبواب كثيرة يجب أن اطرقها خلال رحلتي، والوقت يهرب سريعا امام كل هذا الحنان.

       ما زال في انتظاري شوكت الربيعي وحديث عن التشكيل، إحسان السامرائي وحوار عن هموم التلفزيون، قصي البصري وفولكلور مدينته الجميل، الدكتور الالقوشي نافع جنو وتخصصات الطب الحديث في مؤسسات محافظته، اسعد العاقولي وكلام عن الصحافة والناس، كامل العبايجي وآخر محطات الحرف والطباعة. وبما انه سليل “المنار” الصحيفة التي عملتُ فيها معه، وكان أحد اعضاء هيئة تحريرها، فانه يطمع في ان تكون بقية الليالي من حصته. “هذا كثير استاذ كامل.. كرمك كامل ويكاد يغرقني“.

      حياة هادئة تستحق التامل، و تَجدَّدٌ جدير بالاعجاب. انطباعات متراكمة في أعماقي مع كل زيارة من زياراتي التي تجاوزت العشرين. أسترجع بعضها اليوم، عبر أسواق تعمُر بالأطايب وشوارع وساحات وكَراجات تعبق بالمحبة، مساجد تعانق كنائس تحكي أُلفةً حميمة يقوم عليها وطن يحلم بحياة مدنية كريمة، معارض ودور سينما، مسارح ومنتديات، مطاعم وحانات ومتنزهات. جامعة ناهضة يتنافس في رحابها العلم والأدب، ومركزها الثقافي يشع بنشاطه على العراق والمنطقة، مراكز لأبحاث البحار والأحياء المائية والتصحر والنفط والنخيل وغيرها.

                        الذين ولدوا في ظل النخيل!!

    على إيقاعات “الهيوة” و”الخشابة”يوثق المصورون الأحداث. أبراج يتصاعد منها الدخان، ناقلات عملاقة في انتظار ان تُملأ بذهبنا الأسود وسفن راسية تُحَمَّل بأسمدة راقية تنتجها شركة وطنية كبيرة قريبة. ويعود غيرها وبعضها من بلدان أخرى، محملاً ببضائع وسيارات ومعدات واغذية. أسطول عراقي يصطاد افضل الاسماك في اعالي البحار.. ناهيك عن التمور ، يوم عرف العراق بأنه اكثر بلدان العالم في عدد اشجار هذه الثمرة المقدسة السخية.. بلد الثلاثين مليون نخلة واكثر.. أيام خير..

        و في منتصف السبعينيات كانت ثمة التفاتة لتكريم النخلة والاحتفاء بها، فأقيم مهرجان ضخم حضرته شخصيات من الخليج العربي، انضمّتْ الى القَيِّمينَ والمعنيين في المحافظة، ووفد كبير من بغداد، نقلته طائرتا بوينغ وصلتا في يومين متتالين الى مطار البصرة وحيث فندق شط العرب العريق.

     وخلال أيام المهرجان تجولنا بين المزارع والمصانع والمكابس، تعرفنا على هموم المزارعين و المنتجين و المصنعين و المصدرين وانشغالاتهم ، شاهدنا منتجات ميكانيكية ويدوية كاملة، غذاءً و أثاثاً، تقوم صناعتها على التمور وسعف النخيل و جذوعه، التقينا برجال ولدوا في ظل النخيل، وتم اختيار حسناء للتمور للمرة الاولى في العراق.. غنّى الهام المدفعي ساعات وقُدمت لوحات من الفولكلور، وابكى مطرب لبناني الكثيرين وهو يردد في افتتاح فقرتهِ رائعةَ وديع الصافي “لبنان يا قطعة سما”.. يوم كان لبنان يغلي على فوهة بركان.

       مواويل امتدت حتى الفجر. ومع الفجر كان وجه كوكب حمزة آخر من أودع بعد وجه السياب الذي حل كبيراً عزيزاً على الضفة والقلوب:

كفانا تاكسيات يا كوكب، دعنا نمشي على الشط والكورنيش قليلاً..”.

ويلبي كوكب رغبتي معظم الأحيان. كنا نتحدث ونضحك، نذهب الى بغداد ثم الى القاسم، قبل أن نعود الى البصرة ثانية.. نتلقَّى رذاذاً منعشا من “أُنشودة المطر”. نقترب من ” الكَنطرة” رويدا، لكننا مانزال نراها بعيدة.. نثرثر ونحلم و نحن نرى هذا الاهتمام بالنخيل. فنتوقع كل شيء عدا ان يوما سياتي، يتم فيه اعدام النخيل، حرقاً.. وغذاءً لالة الحرب..!

      وفي الحرب تبدل مزاج المدينة، تحول كل ذلك الأمل الى حزن عميق بعد أن صارت البصرة ممرا الى اتون المعارك، وبلداتها جزءا من الميدان. يعتصرك الالم و انت ترى الانهار والجسور الخشبية والشناشيل البهيجة تبكي “حبوبتنا” التي بات يؤرقها دوي المدافع ومشاهد الدم والدمار .

      تغير شكل المدينة وتضاريسها وروحها، لكن اهلها لم يتغيروا في الظاهر، فالبسمات تأبى مفارقة السحنات السمر ، رغم الوجوم الذي يخيم على الجميع.. كل شئ اصطبغ بالخاكي الذي غمر البلاد، و في العيون تقرأ خوفا مؤكداً من أيام سود تنتظرنا، وان ليالي أشد عتمة اتية بلا ريب. غابت شمس السبعينيات وبدأ الظلام زحفه على عراق الثمانينيات والعقود التالية.

       وفي مطلع الثمانينيات، بدأتُ أَحلُّ على البصرة في زيارات “مكوكية” من نوع جديد، قاتم، اقترنت بقصص الأسى والمآسي، بطعم بارود ودخان كاد يغطى على كل شيء جميل من ذكريات سعيدة عشتها في مدينة همتٌ بها عمراً.

      وكان السؤال: ماذا ينتظر البصرة؟.. ومعها العراق طبعا؟

والسؤال الآخر: من يقدر على الإجابة؟ وكيف سيكون شكلها؟

منطق الحياة يقول إنّ الأرجحية لانتصار النقاء.. انتصار كل ما هو اصيل وجميل مهما طال الزمن.. وان “خَلَّتْ” الحبوبة شيئا من الحسرة في قلوب عشاق كثيرين غادروا الوطن دون ان تتاح للأولاد والأحفاد فرصة تذوّق شيء من شهد البصرة.

مقالات ذات صلة