العراق
نبأ عاجل بوفاة الفريق “طاهر جليل الحبّوش”..





“1”
عرفتُه من كثب (صار مع الأيام بمثابة صديق)، وآية ذلك، أو شاهدُ إثباتهِ، صديقي العزيز الدكتور أكرم عبد الرزاق المشهداني (استأذنته بذكر الاسم فرحّب وحيّا متفضلاً).. كنتُ منتصف تسعينيات قرن العواصف في العراق مدير تحرير صحيفة “الجمهورية”، وكان اللواء طاهر جليل الحبّوش التكريتي مدير الشرطة العام. أزوره في مكتبه، مثلما يزوره ويعرفه صحفيون آخرون، وعلّة ذلك أنه شغوفٌ بتأليفِ الكتبِ، وأشهرُها مؤلفاته عن “الأوائل”!
ثم ازدهرت العلاقة مع الحبّوش في “معهد التاريخ” التابع لاتحاد المؤرخين العرب، لنكون في صف واحد لسنتي الماجستير التحضيريتين، وفي أثناء ذلك كنّا (ثلاثياً مشهوداً) في المناكفات الطلابية، فـ “أبو همام” أعني اللواء طاهر (الفريق فيما بعد) كان ذا مزاج فكِهٍ ، غير منغلق على ذاتِهِ، برغم تديّنهِ، فهو يومياً يفرشُ سجادَته في جانب من حديقة (معهد التاريخ)، ثم يُدخلنا في مناخ “الجدال” مع طيّبِ الذكر المؤرخ شامل الشمّري، المعروف في مجلس الخاقاني بالكاظمية أنه (فاكهة المجالس) لظرفه، وكارزماه، وسرعة بديهته، ولقدرته على إفحام محاوره بحجج لا رادّ لها!
أذكرُ مرةً، أنّ أستاذاً، ذا شأنٍ في أكاديميته، يدرّسنا (منهج البحث العلمي) ارتكب غَلطاً نحوياً، فرُحت بتسرّعي أدندنُ بتصحيح الغلط، فصاح شامل الشمري، الطالبُ الجالس في أول رحلة من صفّنا:(ليش ما تُسكتْ لامي، خلّي السيّد يُلقي محاضرته، عرفتلك چم چلمة بالنحو خبصتنا)، ثم استدار نحو اللواء الحبوش وهو ببدلته الرسمية ذاك اليوم، قائلاً: (عيني لواء ذبّنه اللامي فد چم يوم بالسجن وخلّصنا من شرّه!).
وأذكرُ في أمسيةٍ من أماسي نقاشاتنا الساخنة، لا بمعنى حِدّة الطبع التي عُرفنا بها نحن العراقيين، إنما بمعنى التربّص “التثاقفي” لا الثقافي، سأل اللواء الحبّوش، شامل الشمري: أستاذ شامل، ألا تدلّني على عناوين كتب ألّفها الإمام جعفر الصادق عليه السلام لأطالعها؟.. وبسرعة البديهة المُسلفنة بشيءٍ من السخرية وجّه شامل السؤال إليّ ؛
-لامي أخبره بعناوين المؤلفات!

لكنه لم ينتظر ردّي فعاجَله بـ “بردٍّ مفحِم”، لم يُعطه فرصة التفكير بشيءٍ، غير أنْ يقهقِهَ بصوتٍ مسموع، تعبيراً عن إعجابه بمباغتة (فاكهة المجالس) الذي قال له: مولانا، الإمام الصادق قائد يُملي أو يتحدث فيكتبون عنه.. الرئيس صدام حسين ما هي مؤلفاته مثلا؟.. إنه يتحدث وأنت واللامي وغيركما تكتبون!!.
كان الشمري، طيّب القلب، باسماً، ألمعياً، ذكيَّ الفكرة، عفويَّ التصرّف، لا يُخاتل ولا “يَلْبِدُ” لأحدٍ. و لطالما أوقعنا في “حَيْصَ بَيْص” ونحن نتحدث إليه. وشامل بهذه الخصال الجميلة، دخل قلبَ الحبوش، أو (أبو همام) كما كان يفضّلُ أنْ نناديه في المعهد بالذات، فبادله حُبّاً، مخلصاً، أميناً، ولم ينسَهُ حتى بعد أنْ فارقنا.
ولمّا غاب الشمري عن محاضراتِ معهدنا ليومين أو ثلاثة، ترك فراغاً في (ثلاثيّنا).. سألني اللواء : ما به شامل؟.. قلت له: سمعتُ أنّه يواجه مشكلة صحية خطيرة للغاية، إذ أصيب بفشل كلوي؟.
سألني ذاهلاً: هل تعرف مكان سكنه؟ قلت : نعم!. قال: دع كلَّ شيء فلابدّ من عيادتهِ الآن.. ركبنا مرسيدس مدير الشرطة العام تسبقنا دراجتان ناريتان، واتجهنا الى كرادة مريم وفي مكان قريب من ضريح يُنسب لسيّد إدريس، دخلنا دربونة بيت شامل الشمري، فهُرع الناس يسألون عما جرى. دخلنا البيت ثم على صديقنا وزميل صفنا الشمري فوجدناه مسجّى، وبمواجهة القِبلة.
ذُهلنا، ولم نقوَ على قولِ شيء. كانت صدمة حالته الصحية المتدهورة، بادية على وجهه الذابل، المائل إلى الصفرة!..ولأنَّ طاهر جليل الحبوش من عائلة (نعيمية) سكنت تكريت، إذ هو من السادة الأشراف نسل الرسول الأعظم، رأيتُه يقرفص على الأرض ويفرش كفه اليمنى على جبهة الحبّوش قارئاً آية الكرسي، ففتح الشمّري عينيه، وباغت الحبوش قائلاً: (هايه هم بگتوها من عدنه)!..
انفجر الحبوش بضحكة مخنوقة، هي كالبكا.. وغادرْنا الشمّري، حزينيْن، لا نلوي على عملِ شيءٍ في زمن الحصار المميت، غير أن واحداً من بيت الشمري أخبرنا أنه يحتاج دواءً لا يتوفر في العراق، فتعهد له الحبوش بتوفيره على قدر مستطاعه من الخارج. وبالفعل اتّصل حينئذ بصديقه وزير الصحة السعودي، فلبّى طلبه، لكنّ الدواء وصل بعد فوات الأوان، إذ فارقنا شامل الشمري رحِمهُ الله بعد أيام من زيارته في بيته. للحديث صلة





