ثقافة

د. رائد الهاشمي: الباحثون العراقيون في صدارة حراس اللغة العربية

لطالما كان علم الصرف ركنًا أساسيًا في فهم اللغة العربية، فهو الميزان الذي يضبط أبنية الكلمات ويحرسها من الانحراف والزلل واللبس كما هو معلوم، وعلى الرغم من أهميته، فإن طريقه ليس مفروشاً بالورود، بل صعب المسالك، دقيق التناول، فأحجم عنه الباحثون إلا قليلاً، ليجعل المكتبة اللغوية مفتقرة إلى مراجع صرفية حديثة تنسجم مع الواقع المعاصر لدارسي العربية والمهتمين بها.

     وسط هذه الأزمة اللغوية المستمرة بين القديم والمعاصر تطل علينا المكتبة العربية بين حين وآخر بحلقة وصل تربط بينهما. ومن هذه الحلقات الكتاب الصادر حديثاً بعنوان (معجم المصطلحات الصرفية) وهو من تأليف الباحث العراقي الدكتور رائد داود إبراهيم الهاشمي، وتمت طباعته بالاشتراك بين دار لبنان للطباعة والنشر في بيروت، بالتعاون مع دار الكتاب الجامعي في الإمارات، ط1/ 2025.

     في مقدمة الكتاب عتب المؤلف على دارسي العربية إقبالهم على علم النحو من دون أن يعطوا علم الصرف قدره الكافي من العناية مع أنه اعتذر عنهم بوجود مصاعب تثنيهم أحيانا عن التعمق فيه، مبيناً أن دافع تأليفه يصب في إعادة الإهتمام بهذا الفرع اللغوي المهم، مؤكدأ أنه مما يدعو إلى الفخر هو أن الباحثين العراقيين في موقع الصدارة بين حراس اللغة العربية بأبحاثهم ومصنفاتهم التي تحصد الإعجاب والتثمين والإشادة.

      يقع الكتاب في 489 صفحة، معتمداً على 211 مصدراً منوعاً نسج المؤلف خلاله معجماً صرفياً متخصصاً، رتّبه على حروف المعجم، وجاءت فهارسه الممتدة من الصفحة السابعة حتى الخامسة والأربعين لتدل على دقة التنظيم، والحرص على تيسير الوصول إلى المعلومة بكل سهولة.

     تناول المعجم طيفًا واسعاً من الموضوعات الصرفية، مثل: الإبدال، وأبنية الأسماء والأفعال، وأبواب الأفعال، وأبنية المبالغة والمصادر، مروراً بمباحث دقيقة كاسم الهيئة، والاسم الجامد، والمقصور والمنقوص والممدود، والاحتجاج الصرفي، وغيرها من القضايا المتخصصة، وتميز الكتاب بأسلوب علمي واضح، جمع بين الدقة واليسر، وخاطب القارئ المتخصص من دون أن يغلق الباب أمام المهتمين من القراء غير المتخصصين.

      الهاشمي لم يكتفِ في كتابه بتعريف المصطلح، بل وضع القارئ في قلب العملية الصرفية، بادئاً من أبواب الأفعال، مارّاً بالأبنية المختلفة، وصولًا إلى تفريعات دقيقة كالاسم الجامد واسم الهيئة، حيث أراد لهذه الشمولية أن تكون “خزانة صرفية” لا يضطر الباحث بعدها للرجوع إلى مصادر متعددة.

       اعتمد المؤلف على توثيق كل مصطلح من مراجعةالمعتمدة، مع تقديم تعريفات دقيقة، وأمثلة تطبيقية، وإشارات إلى الخلافات بين وجهات نظر اللغويين، كما جمع أسلوب العرض بين الدقة العلمية والوضوح، مما يجعله مرجعاً لا غنى عنه للباحثين والدارسين.

       إن معجم المصطلحات الصرفية للدكتور رائد الهاشمي ليس مجرد كتاب، بل هو ثمرة جهد علمي متواصل، ورؤية لغوية ناضجة، ومساهمة حقيقية في خدمة اللغة العربية. كما أنه يمثل قفزة نوعية في أدوات البحث الصرفي، ويشكل نقطة مرجعية ثابتة في مسيرة الدراسات اللغوية الحديثة، وهو شاهد على أن العمل المعجمي المتخصص لا يزال قادراً على فتح آفاق جديدة للفهم والبحث والتأصيل.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق