أولى خطيئات الجِنِّ والإِنس …



نار خفية تلتهم القلب قبل ان تطال العين. ليس شعورا عابرا، ولا غيرة طبيعية يمكن تجاوزها، بل داء قديم ضارب الجذور في تاريخ الخلق، هو اصل البلاء وبذرة اولى الشرور. ذلك هو “الحسد”، الذي قال عنه أحد الصالحين: (لله دَرُّ الحسد، ما أعدَله، بدأ بصاحبه فقتله)!
فمنذ اللحظة التي امر الله فيها الملائكة بالسجود لآدم، اشتعل الحسد في قلب ابليس، فابى واستكبر، فكان سقوطه من مقام الطاعة الى دركات اللعنة. ثم انتقلت هذه الشرارة الى الارض، لتكون اول جريمة بشرية على يد قابيل، حين حسد اخاه هابيل لان الله تقبل قربانه، فقادته الغيرة السوداء الى ان يريق دم اخيه. هكذا كان الحسد اول خطيئة في السماء واول خطيئة على الارض.
ولذلك جاء التحذير منه في كتاب الله: ومن شر حاسد اذا حسد، وتجلى اثره في قصص الانبياء، من اخوة يوسف الذين اكل الحسد قلوبهم حتى ألقوهُ في غيابة الجب، الى حسد اهل الكتاب للمؤمنين. وفي السنة النبوية اكد الرسول صلى الله عليه وسلم خطورته: “اياكم والحسد، فان الحسد ياكل الحسنات كما تاكل النار الحطب”، وقال ايضا: “العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين”.

بل ان الحسد ليس رهينا بالعين المبصرة؛ فحتى الاعمى قد يحسد، لانه يحس بالنقص ويغلي صدره مما يسمع عن نعم الآخرين. هي نار داخلية لا تحتاج الى بصر كي تحرق، يكفيها قلب مريض ونفس لم ترض بما قسم الله.
والحاسد مكشوف مهما تزيّا بالود. وجهه يتغير عند سماع خبر سار، وصوته يتلعثم عند تهنئة صادقة، ولسانه يعجز عن الدعاء بالبركة او الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. تراه في مصائبك حاضرا يواسيك بوجه متشف، وفي افراحك غائبا بحجة المرض او الضيق. وان اخبرته بنعمة قلل من شأنها او نسبها الى غيرك. لذلك كان اقرب الناس هم اكثر من يعاني منه، اذ يجربون حسده كل يوم، ويخفون نجاحاتهم حياء وخوفا من لهيب عينه.
والعجيب ان الحاسد يعرف نفسه جيدا. يدرك انه يحمل عينا حارة ونفسا سوداء، لكنه يتوارى خلف ضحكات مصطنعة وروح هزلية تخفي مرارة قلبه. وان ساعد احدا، طلب مقابلا سريعا، وكأنه لا يطيق ان يقدم خيرا خالصا. هو بخيل حتى بالبركة، شحيح حتى بالكلمة الطيبة.
الحسد لا يأتي وحيدا، بل يجر وراءه امراض القلوب جميعها: حقدا، غيبة، نميمة، بخلا، عداء، وسوء ظن بالله. والحاسد قبل غيره هو اول من يحترق: يعيش قلقا ابديا، يلهث خلف اخبار الناس، يراقب خطواتهم، يحصي نعمهم، حتى يصير كمن يقف عطشان على شاطئ البحر لا يشرب منه قطرة، مكتفيا بوجع المقارنة ومرارة النقص.
ولذلك لم يأت العلاج الا بالتحصن بذكر الله والقرآن، وبالكتمان عن النعم، كما اوصى النبي صلى الله عليه وسلم: “استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فان كل ذي نعمة محسود”. فالرضا بما قسم الله يطفئ نار الحسد، والبركة لا تدوم الا بالذكر والدعاء.
انها الخطيئة الاولى للجن والانس، نار لا تهدأ، تحرق صاحبها قبل ان تصيب الآخرين. ولا يطفئ لهيبها الا قلب مؤمن شاكر، ولسان ذاكر، وروح راضية تعلم ان النعمة من الله لا من البشر، وان المنعم اكرم من ان يضيع فضلا كتبه لعبده.





