أطياف الحلم


هو كائِنٌ يَتَنَفَّسُ في الظِّلالِ،
يَمشي على خُيوطٍ مِن وَهمٍ صافٍ،
ويُخفِي مَلامِحَهُ في مَرايا السَّرابِ،
لا يُمْسَكُ باليَدِ
لَكِنَّهُ يَترُكُ في الأصابِعِ
أثَرَ النَّدى.
يَعبُرُ بلا خُطى
ويَترُكُ في الهَواءِ رَجْعَ نَغْمَةٍ لا تَنْطَفِئُ.
هو البَابُ الَّذي لا يَنْغَلِقُ،
والمِرْآةُ الَّتي لا تَعكِسُ شَيئًا
إلّا لِتُعيدَ خَلْقَهُ مِن جَديدٍ.
كُلَّما ظَنَنتُهُ بَعيدًا
انفَتَحَ مِن قَلبِهِ بابٌ آخَرُ،
حَتّى إذا أدرَكتُهُ
أدرَكتُ أنَّ اسمَهُ… الحُلْم.
**
رَأيتُكِ أوّلَ الطَّيفِ،
شَرارَةً تَتَوَهَّجُ في ليلٍ يَرتَجِفُ مِنَ البَرْدِ.
كُنتِ لهبًا يَلْمَعُ بلا احْتِراقٍ،
تزيحينَ عن الرِّمادِ حِجابَهُ،
وتَزرَعِينَ في العُرُوقِ يَقْظَةً
تَتَجَدَّدُ كُلَّمَا هَبَّت نَسْمَةُ اسْمِكِ.
كان شَعرُكِ يَرْتَقِصُ كالسِّرِّ في اللَّيلِ،
وعَيْنَاكِ شعاعانِ يشقان صمتَ الظلامِ،
فَإذا بي أَنهَضُ كالأُفُقِ
حِينَ يَسلِّمُ مَفاتيحَهُ لِلْفَجْرِ.
**
ثم جئتِ ثانيةً،
ندى يتساقط من بين أصابع الغيم،
يغسل وجهي من غبار الطريق.
كنتِ الحلم الذي يحوّل الصخر دمعة،
ويُعلّم الظمأ أن يغنّي للمطر.
خطوكِ على الأرض تراتيل،
وعطركِ صلاةٌ تسافر بي
إلى بساتين لم تُخلق بعد.
كنتِ الموجة التي تتدلّى من قميص البحر،
فأرتمي فيكِ لأكتشف
أن الماء لا يغرق من يعشقه.
**
ثُمَّ لَمَحْتُكِ،
عاصِفَةً تَنسابُ فِي الأُفُقِ بِأجنِحَةٍ خفيّةٍ.
أيتها الرَّغْبَةُ الَّتِي تَجتازُ صَمتَ الرِّيحِ،
أيتها الوَمضةُ الَّتِي تَخْطُّ نُصُوصَها عَلَى السَّحَابِ،
كُنتِ الحُلْمَ الجَامِحَ،
الَّذِي يَعْلُقُ فِي أَعناقِ اللَّيلِ صَدَى المَسَالِكِ.
ضحكتكِ نَبْضٌ خافِتٌ،
وصوتكِ تَغنِيَةٌ تَسافرُ بِالعَيْنِ وَالقَلْبِ،
وحِينَ اقْتَرَبْتُ مِنْكِ
انفَتَحَت أَمامِي مَسَالِكُ لَم تَطَأها قَدَمَايَ،
كَأنَّكِ تَفْتَحِينَ أَبْوابَ الكَوْنِ بِيَدٍ مِن هَواءٍ.
**
وَرَأَيْتُكِ مَرَّةً أُخْرَى،
هَدْهَدَةً خَرَجَتْ مِن وَتَرٍ مُبَلَّلٍ بِالدَّمْعِ.
كُنتِ الحُلْمَ الرَّقِيقَ،
الَّذِي يُرَمِّمُ الفُؤادَ بِبُطْءٍ،
وَيَزْرَعُ فِي الشُّقُوقِ وَرْدًا لا يَذْبُلُ.
مِقْلَتَاكِ نَافِذَتَانِ عَلَى الحَنِينِ،
وَابْتِسَامَتُكِ جِسْرٌ
يَعْبُرُهُ الغِيابُ لِيَتَحَوَّلَ إِلَى حُضُورٍ.
كُنتِ القَصِيدَةَ الَّتِي تُكْتَبُ بِالدَّمْعِ،
وَتُتْلَى بِالهمْسِ،
فَأَفْهَمُ أَنَّ اللِّينَ أَحْيَانًا
أَشَدُّ بَأْسًا مِنَ الصَّلَابَةِ.
**
وَحِينَ ظَهَرْتِ،
كُنتِ نُورًا لا يُرَى بِالعَيْنِ.
هَيْبَةٌ تَمْشِي فِي صَمْتِكِ،
تُسقِطُ المَهَابَةَ عَلَى مَنْ يَراكِ،
كَأَنَّ الجَمَالَ اتَّخَذَكِ مَقَامًا
لِيُعْبَدَ بِلَا طُقُوسٍ.
أَسْمَعُ هَمْسَكِ فَيَتَرَدَّدُ فِي دَاخِلِي
كَنَشِيدٍ أَبَدِيٍّ،
أَرَى مَلامِحَكِ فَأَرْتَعِشُ،
وَأُدْرِكُ أَنَّ الضِّياءَ قَدِ اخْتَارَ
أَنْ يَلْبِسَ جَسَدًا يَشْبِهُكِ.
**
ثُمَّ رَأَيْتُكِ سَرابًا،
تَقْتَرِبِينَ وَلا تَصِلِينَ،
تَغِيبِينَ وَلا تُفَارِقِينَ.
كُنتِ الحُلْمَ الغامِضَ،
الحُضُورَ المُتَجَسِّدَ فِي الغِيابِ.
حِينَ أُنَادِيكِ
أَسْمَعُ رَجَعَ صَوْتِي يَعُودُ إِلَيَّ،
كَأَنَّكِ وَطَنٌ بَعِيدٌ
يُقِيمُ فِي المَسافَةِ
وَيَأْبَى أَنْ أَبْلُغَهُ.
فِيكِ تَعَلَّمْتُ أَنَّ الشَّوْقَ بَيْتٌ
بِلا جُدْرَانٍ،
وَأَنَّ الغِيابَ نَافِذَةٌ أَوْسَعُ مِن كُلِّ حُضُورٍ.
**
وَأَخِيرًا تَجَلَّيْتِ،
كَأَنَّكِ الطَّيْفُ الجَامِعُ،
الَّذِي يُذِيبُ فِي صَدْرِهِ
جَمِيعَ الظِّلَالِ.
كُنتِ البِدَايَةَ وَالنِّهَايَةَ،
الأَصْلَ وَالمَآلَ،
الأُغْنِيَةَ حِينَ تَصِيرُ كَوْنًا،
وَالحُلْمَ حِينَ يَصِيرُ يَقِينًا لا يُفَسَّرُ.
كُنتِ المَرَايَا كُلَّهَا،
لَكِنَّهَا مِرْآةٌ وَاحِدَةٌ،
تَفْتَحُ لِلرُّوحِ بَابَهَا الأَخِيرَ،
بَابًا لا بِدَايَةَ لَهُ وَلا اِنْتِهَاءَ.
**
وَمُنذُ أَن اسْتَوْطَنَتْ فِي دَاخِلِي،
لَم أَعُدْ أَعْرِفُ:
أَأَنَا الَّذِي يَحْلُمُ بِكِ،
أَمْ أَنَّكِ أَنْتِ الَّتِي تَحْلُمِينَ بِي،
أَمْ أَنَّا مَعًا
لا شَيْءَ سِوَى ظِلٍّ
يَمْتَدُّ فِي فَضَاءِ
لا حُدُودَ لَهُ؟
سمير اليوسف – الأردن




