أدب

 حينَ حَمَلَ الجَمْرُ رَمادَه

يَمْضي الصَّمْتُ في المَوْكِبِ،

كَأَنَّ الأرْضَ تُشَيِّعُ الـمَعْنى،

كَأَنَّ الحَرْفَ يُوَدِّعُ صَوْتَهُ،

لِيَبْدأَ نَشيدَهُ الأبَدِيَّ في الـمَواراءِ.

الرِّيحُ تُصَفِّقُ بِخَفْتٍ،

تُلَقِّنُ الغَيْمَ صَلاةَ الوَداعِ،

وَتُخْفي في ثَوْبِها شَيْئًا مِن وَهْجِ الوَرَقْ،

كَأَنَّها تَعْرِفُ أَنَّ الكَلِماتِ لا تَموتُ،

بَل تُهاجِرُ في الجِهاتِ الأرْبَعْ،

لِتَبْني وَطَنًا آخَرَ لِلْحَقيقَةْ.

في الطَّريقِ،

تَمْشي الخُطى بِانتِظامٍ مِن خَوْفْ،

وَالنَّظَراتُ تُشْبِهُ مَرايا مَكْسورَة،

تَرى فيها الوُجوهُ ظِلالَها لا مَلامِحَها.

أَحَدُهُمْ هَمَسَ:

ما أَثْقَلَ النَّعْشَ!”

وما أبهى الوهجَ الذي لا يُطفَأُ بالتراب.

فَرَدَّتِ الرِّيحُ مِن فَوْقِ الرُّؤوسْ:

بَلْ ما أَثْقَلَ الصَّمْتَ عَلى مَنْ خانَ الـمَعْنى!”

لَمْ يَكُنْ ذاكَ نَعْشًا،

كانَ كِتابًا أُغْلِقَ عَلى آخِرِ فَصْلٍ،

وَالَّذينَ يَحْمِلُونَهُ

يَظُنّونَ أَنَّهُمْ يَطْوونَ الوَرَقْ،

وَلَمْ يَعْلَموا أَنَّهُمْ يَفْتَحونَ بابًا لِلْخُلودْ.

هُناكَ، في أَقْصَى الزّاوِيَة،

طِفْلٌ يُراقِبُ الغَيْمَ وَهو يَنْحَني،

يَسْأَلُ أُمَّهُ هَمْسًا:

لِماذا يَدْفِنونَ النُّورَ في صُنْدوقٍ مِن خَشَب؟

فَتَصْمُتُ الأُمُّ،

كَأَنَّها تَخافُ مِن الإِجابَةِ

الَّتي قَدْ تُنْبِتُ جَناحَيْنِ لِلْحَقيقَةِ.

النَّعْشُ يَمْضي،

وَالأرْضُ تَتَنَفَّسُ بِبُطْء،

كَأَنَّها تَحْتَضِنُ حُلْمًا قَديمًا

كانَتْ قَدْ أَضاعَتْهُ بَيْنَ الحُروبِ وَالرَّمادْ.

مِن بَعيدٍ،

ظِلٌّ يُرافِقُ المَوْكِبَ،

يَمْشي بِلا جَسَدٍ،

يُطيلُ النَّظَرَ إِلى الَّذينَ يَدْفِنونَ فِكْرًا

وَيَجْهَلونَ أَنَّهُمْ يُنْبِتونَ غَدًا.

كانَ اللَّيْلُ يُنْصِتُ،

وَالْقَمَرُ يُطْأْطِئُ وَجْهَهُ خَجَلًا،

فَالضَّوْءُ لا يَعْرِفُ طَريقَهُ

إِلّا حينَ يُحْمَلُ في ظُلْمَةٍ كَهذِه.

مَنْ قالَ إِنَّ الـمَعْنى يُدْفَنُ؟

هُوَ الَّذي يَكْتُبُ عَلى حَجَرِ القَبْرْ:

هُنا تَبْدَأُ الحَياةْ.”

فَالْكَلِمَةُ،

حينَ تُزْهِرُ مِن جُرْحٍ،

تُصْبِحُ خالِدَةً،

وَتَشْهَدُ لِلْإِنْسانِ

أَنَّهُ قادِرٌ أَنْ يَسْكُنَ النورَ فِي الـمَعْنى،

وَأَنْ يُقيمَ مِن الحُروفِ مَعْبَدًا لِلرّوحْ.

أُولئِكَ الَّذينَ يَمْشونَ خَلْفَ النَّعْشْ

لا يَدْرونَ أَنَّهُمْ يَمْشونَ وَراءَ مَراياهُمْ،

وَأَنَّ الضّياء لَيْسَ جُثْمانًا يُحْمَلُ،

بَلْ نَهْرًا لا يَتَوَقَّفْ،

يَتَخَفّى بَيْنَ الأَصابِعِ وَالكُتُبْ،

وَيُعيدُ لِلأرْضِ نَبْضَها

كُلَّما جَفَّتْ مِنَ الـمَعْنى.

كَمْ مِن مَوْتٍ

تَوَهَّمَ أَنَّهُ النِّهايَةْ،

فَإِذا بِهِ بابٌ لِلْخُلودْ،

وَكَمْ مِن كَلِمَةٍ

تاهَتْ في فَمِ الصَّمْتْ،

فَأَنْبَتَتْ في العَدَمِ وَرْدَةً

تُسَمّى الإِنْسانْ.

يا أَيُّهَا الحَرْفُ الـمَحْمولُ عَلى أَكْتافِ الحَديدْ،

يا جَمْرَ الحَقيقَةِ الـمَلْفوفَ في قُماشٍ مِن خَوْفْ،

إِنَّهُمْ لا يَعْرِفونَ أَنَّكَ تُهاجِرُ،

أَنَّكَ تَتْرُكُ في كُلِّ يَدٍ رَمادًا

يُضيءُ حينَ تَشْتَدُّ العَتْمَةْ.

تَقَدَّمَ المَوْكِبُ

وَكُلُّ خُطْوَةٍ كانَتْ تَمْحو أَثَرَها

كَأَنَّها تَخْشى أَنْ يَعْرِفَ الغَدُ ما جَرى.

لَكِنَّ الأرْضَ،

تَحْتَفِظُ بِكُلِّ نَفَسٍ،

بِكُلِّ نَغْمَةٍ،

بِكُلِّ حَرْفٍ سَقَطَ مِن جَناحِ القَصيدَةْ،

وَتُخْفِيهِ في قَلْبِها

حَتّى تَنْشَقَّ عَنْهُ الحَياةُ مِن جَديدْ.

في الـمَدى البَعيدْ،

صَوْتٌ لا يُسْمَعُ إِلّا في الأعْماقْ:

لا تُشَيِّعوا الضّياء

إِنَّهُ يُشَيِّعُكُمْ.”

***

مَضى المَوْكِبُ نَحْوَ الغُروبْ،

لَكِنَّ اللُّغَةَ بَقِيَتْ واقِفَةً،

تُحَدِّقُ في الأُفُقِ المائِلِ إِلى رَمادِهِ،

وَتَبْتَسِمُ،

كَأَنَّها تَعْرِفُ أَنَّ الحَرْفَ الأَخِيرَ

لَمْ يُكْتَبْ بَعْدْ.

مقالات ذات صلة