تحقيق

 (11)”نقش في الحجر”: قُلْ: عَمِّرْ.. ولا تَقُلْ: دَمِّرْ..

     أكاد أُجزم أنَّ العراقيين الصادقين الذين يعرفون حقيقة الشخص المعني أو “الضحية”، سيذرفون دموعاً من طراز نادر، كلَّما مرّوا من أمام تلك النافورة التي ستقام في الموقع الذي أزيح منه تمثال “مصطفى جواد”، وأنّ جباههم ستتعرّق خجلاً واستهجاناً للطريقة التي اتّبعها نفرٌ من أبناء جلدتهم قادوا شفلاً أعمى لإسقاط تلك الصخرة النابتة في ذاكرة أجيال متعاقبة، اعتادت التفرغ لسماع الصوت المميز الناطق بـ”قُلْ ولا تَقُلْ” لسنوات كان الحرف خلالها محترماً، والناس يجهدون بحثاً عن الصح والغلط في لغة الضاد، الموسيقى الأجمل تعبيراً عن كل أنواع العشق في الكون.

       وحتى النافورة الموعودة عينُها، ستبقى وهي تتلقى “رجمات” الغاضبين، نادمةً على فعلِ لم ترتكبهُ ما بقيت “تنبض بالحياة”، وستظل دفقاتها المائية واضواؤها الملونة تبكي حتى زمن طويل وتسأل بعتب شديد: لماذا؟

“أخبار” كهذه، تبقى تستفز أية ذاكرة غيور، عندما تلتقطُها على وقع الافتتاح الضخم للمتحف المصري الكبير المدهش، في بلد يكترث بالملموس برعاية إرثه وعظمائه عبر التاريخ القديم والمعاصر، يقابله إهمال مزمن لآثار حضارة ما بين النهرين، وإساءات ظلامية لرموز من الماضي والحاضر، قَطعتْ إصبع شاعر جميل مثل “أبي نؤاس” في الأمس، ودحرجتْ جسد علاّمة كبير ورمز وطني ساطع مثل مصطفى جواد اليوم.

     لم ألتق مصطفى جواد يوماً طيلة عمري الصحفي، ولا ألوم نفسي على ذلك، إنها الفرص والمصادفات التي تتحكم بأمور كهذه، لكنني أشعر بتقصير الصحفيين وأنا منهم، لأننا لا نأتي الى ذكر “قُلْ ولا تَقُلْ” كلما استرجعنا برامج مثل “العلم للجميع” لكامل الدباغ و”الرياضة في أسبوع” لمؤيد البدري و”عدسة الفن” لخالد ناجي، مع محبتي واحترامي للراحلين الثلاثة الذين ربطتني بهم صداقة وزمالة طويلتان أعتز بهما.

     ولا أريد أن اجعل من سطوري هذي شأناً صحفياً شخصياً، لكنها الذكريات تستدعيني اعتزازاً بابن الخالص والعراق الذي قفز اسمه ليتصدّر اهتمامات الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي بعد حادثة إسقاط التمثال.

      أُحسُّ بهاجس داخلي يخاطبني بأنني ما زلت محظوظاً كوني تعرفتُ على ابنِ له، طالباً في واحدة من كليتين بجامعة بغداد، الطب أو الهندسة، إذ أنني ما عُدتُ متأكداً بعد كل هذه العقود.  جرى الأمر بسرعة ذات أُمسية حافلة بالفقرات الترفيهية والساندويجات والمرطبات اللذيذة، وبعد تفاعل مشهود مع (“عدويَّه”.. أهيه ضحكتها نهار) أغنية محمد رشدي التي ما إن فرغ أحد الطلبة من أدائها ببراعة، حتى قفزتُ من مقعدي وأنا اسمع عبر مكبرات الصوت اسماً ثلاثيا “…. مصطفى جواد”. رحتُ أبحث عن صاحبه كي أُحيّيّهِ ثم ألتقيه، ولربما أجريت معه مقابلة ما أيضا، وأوليته عناية خاصة كونه نجل ذلك العراقي الشامخ.

    حصل ذلك في شتاء أحد أعوام النصف الثاني من ستينيات القرن المنصرم عندما كنت أحرر صفحات جامعية في جرائد اسبوعية ويومية، أَحضَرُ خلالها احتفالات “يوم الكلية” او التخرج او الاحتفاء بطلبة السنة الدراسية الأولى، في زمن كانت الجامعات فيه معتركاً للتنافس العلمي وإبراز المواهب. تستثمر الفراغ ببرامج مفيدة تتوزع بين الأبحاث الميدانية والنشاطات الثقافية والفنية والرحلات والمباريات الرياضية وغيرها من أجواء يسودها الاحترام والوقار، واناقة الروح قبل الملبس.

      أشياء لا أعثر على مثيلات لها وأنا أتابع ما يدور في جامعات زمننا الجديد . وأعترفُ بأنني كنتُ قد نسيت أمر لقائي ذاك بنجل العالم اللغوي الراحل تماماً لولا حادثة التمثال. وبما أنّ الشيء بالشيء يذكر، فان فضولي دفعني الى اتباع أكثر من طريقة للعثور على معلومات عن صاحب الاسم القصود. لكن المصادر التي تصفحتها لم تسعفني الا باسم “جواد مصطفى جواد” المهندس والخبير النفطي المولود في بغداد عام 1933 حسب ويكيبيديا التي أكدت أنه ابن العالم الكبير والذي أكمل دراسته الإعدادية في بغداد، بتفوق عام 1951 مما أتاح له الالتحاق ببعثة دراسية الى انكلترا حيث حصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية.

     وهذا يعني أنه لا يمكن أنْ يكون ضالّتي التي أتحدث عنها، لان جواد مصطفى جواد أكمل دراسته الجامعية خارج العراق، وأنه في تلك المدة، أي الستينيات كان قد تجاوز الثلاثين من عمره.  وحسب ويكيبيديا أيضا فان جواد عُيِّن بعد عودته الى البلاد مهندساً في شركة نفط العراق ألـ”آي بي سي” ليعمل بعد التأميم ولسنوات طويلة في وزارة النفط خبيراً ومشرفاً على تنفيذ برامج تطوير الكوادر الفنية.

      وكان آخر مكان عمل فيه هو معهد النفط – بغداد حتى العام 1996 اذ أحيل إلى التقاعد لبلوغه السن القانونية، لكنه ظل يعمل هناك خبيراً نفطياً استشارياً متعاقداً حتى انتهاء عقده الوظيفي في أوائل 2007 حيث غادر العراق بعد ان اشتغل في هذا القطاع لمدة وصلت الى نصف قرن.

     واستقر لفترة في العاصمة الأردنية عمّان، قبل أن يسافر الى حيث يعيش ولده في الولايات المتحدة الامريكية التي توفي فيها “رائد الصناعة النفطية في العراق” عام 2017 بعد مرض عُضال.  ويُسَجَّلَ للخبير الراحل جواد أنه “كان يعكس بقوة صورة والده العلاّمة الفذ شيخ اللغة والتأريخ الدكتور مصطفى جواد والذي كان يعتز به كثيراً ويقتدي به في كل شيء علاوة على رعايته لإنجازاته العلمية والفكرية من خلال قيامه بإدامة مؤلفاته والمخطوطات الموجودة في مكتبته”.

    قصة حزينة أخرى نطَّلع عليها إذن لرحيل الابن الذي أتساءل اليوم: من كان شقيقه الذي التقيته في إحدى الكليتين المذكورتين، فأخفقت في الوصول اليه؟ هل أجد نفسي أمام حلقة مفقودة، تجعلني أنتهز هذه الفرصة كي أدعو كل من يملك معلومات عن الموضوع أنْ يزوّدنا بها مشكوراً، وانْ جرى ذلك في أجواء مشحونة باستياء شعبي إزاء حادثة لم تكن الأولى؟. اذ سبق وأن أُزيل نصبٌ لمصطفى جواد في أواخر السبعينيات أو أوائل الثمانينيات “حوالي 1978 – 1982”. وكان (حسب “السبب الرسمي” “تجاوزات” على النصب أو أنه يغطي على تمثال آخر لصدام في المنطقة).!!

     والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: اذا كان ذلك السلوك “مقبولاً” أو سائداً في عهد الدكتاتورية، فكيف نفسر تكراره في عهود (الديمقراطية) التي يجري بناؤها منذ نحو ربع قرن؟.

     أسئلة عديدة تحيلني الى مَشاهِد نصب وتماثيل تتوزع معظم مدن المعمورة وأريافها، يتفاخر سكانها بوجودها وبالفنانين الذين نفذوها في حقب زمنية مختلفة. لا يدخرون وسيلة من أجل الحفاظ عليها كي تبقى شاهداً على تاريخ بلدانهم وعظمائها أو تذكيراً بأحداث جسام مرت بها. ويقف الكثيرون في طوابير للاطلاع عليها والتقاط الصور اعتزازاً بصروح يريدونها محترمة خالدة، لا تقتلعها شفلاتٌ لم يعد أصحابها يكترثون للأحياء، فما بالك بالراحلين موتاً أو بالمختطفين الى منافي الغربة الموحشة، غير آبهين بتخريب إرثهم الثقافي والحضاري؟.

     إخال مصطفى جواد اللحظة حيًّا يقدّم برنامجه الأثير، أو مشاركاً لأَعلام مثله في ندوة يتحلّق حول بثها التلفزيوني آلاف المشاهدين، بل إخاله لا يطيق كل هذا وذاك فينهض من رقاده الأبدي صارخاً بملء شدقيه أنْ: قُلْ عَمِّرْ.. ولا تَقُلْ دَمِّرْ!!

مقالات ذات صلة