تحقيق

(8)”نقش في الحجر”: أصوات من ذاكرة حروب دوريّة..

      عُدْ معي إلى ما قبل سنةٍ من الآن:   

     لم أتمنَّ أنْ يمتدَّ بي الزمن حتى أسترجع لحظة أردّت توثيقها يوماً في أجواء سلم أهلي دائم، فاضطر الى استذكارها الآن في ظل حرب جديدة أجهل تسلسلها، واقعةٌ حصلت أمامي قبل خمسة عقود، كانت تشكّل ومثيلاتها الشرارات الأولى لقيام مأساة مستمرة نجهل متى نهايتها..

     يصلني صوت المذيعة اللبنانية مختنقاً بالعَبرات والدخان، في نقلٍ حيٍّ على الهواء لليل بيروت المختنق أصلاً بالظلام والخوف، متحدثة عن استمرار الخطوط الجوية الوطنية بنقل القادرين على الهروب الى أماكن أكثر أمناً، غير آبِهَةٍ بهول الحِمَم التي تضرب السماء والأرض بنيران من كل لون، وتزامناً مع استطلاع جوي معادٍ شبه مستمر ومنخفض غالباً، هي شجاعة لافتة إزاء عملية محفوفة بالمخاطر بالتأكيد!

      أعادني المشهد الى نحو نصف قرن مضى، ربيع 1975 “نيسان” على الأرجح، وصوت قبطان الطائرة التي أقلعت بنا للتو بعد ترانزيت افترض به أن يكون قصيرا لكنه امتد لساعات غير محسوبة، يخاطبنا بخجل، مُرَحِبّا، ثم معتذرا للتاخير، ولانهم لن يتمكنوا من القيام بواجب ضيافةٍ معهودة عُرِفَت بها اطقم الطائرات زمان، بسبب (ظرفٍ راهن) كنتُ وأنا أشرب قهوتي السمراء في المطار قبل حين، قد أصبحتُ شاهد عيان عليه عبر تَلاسُنٍ بين اثنين من المشتغلين هناك، يحمل كل منهما جريدة بلون: “انتم الذين بدأتم الامر كله”.. “ لا بل انتم من انكشفت نواياكم السـ..»

شيء أكبر من التوتر تلمسه هنا وتحسه يتنفس في الخارج أيضاً، طبول تقرع في كل مكان تنذر بوقوع الحدث الكريه.. مشاحنات، تصعيد، أزمة، حواجز، مناوشات، عنف على الهوية، ثم حرب أهلية طاحنة امتدت الى خمسة عشر عاما أشعلت الأخضر واليابس، قرأنا الكثير من فصولها وحرّرنا آلاف الأخبار والتقارير عنها لزمن طويل لاحق!!

    ينتابني خوف مفاجئ ويلازمني اكتئاب واضح إثرَ تلك المشادة، أحاول التخفيف من حدتهما بالتجول ماخوذاً بين أرجاء المطار البهيج الذي يشبه البلاد كلها والتي لن تستمر كذلك على ما يبدو، وقلبي يخفق بشدة بين الضلوع كاْني به يريد القفز من مكانه مخترقا تلك الجدران الزجاجية الكبيرة، الى حيث قطعة سماء زرقاء تغلف بحراً أكثر زرقة، وخضرة تشهق أرزاً وزيتوناً وليلكاً، وسط عمارات وطرقات تتسلق خلف أسطح القرميد الأحمر وصولاً الى سفوح وقمم صخرية لا متناهية، فيما خيالي يتلهف بحثاً عن فيروز ورحابنتها، الصافي، شمس الدين والشحرورة، جبران ونعيمه، الروشة والرملة البيضا، كسروان، جعيتا وحريصا، جونيه والضبية، ساحة رياض الصلح والحمرا ووسط البلد، كيان رحب مكتظ باسماء وعناوين وتواريخ حفظتها سنة بعد سنة من مجلات وجرائد وكتبٍ واسطوانات وكرنفالات، عن بلد صغير بحجمه لكنه عميق بحضارته وامجاده، جميل بطبيعته وناسه.. سويسرا الشرق وأكثر التي كُتِبَ عليها أنْ تعيش حروبا دورية..

     من صنعها؟ من يوقفها؟ ولماذا يجب أنْ يحصل هذا؟!

أسئلة كثيرة أقضَّت مضجعي وأنا أمضي ليلتي في فندق قريب من مطار فيوميتشينو بروما، اعانتني في العثور عليه موظفة مغاربية تعمل هناك، قبل أنْ تقلني طائرة ثالثة في الصباح الباكر الى محطتي الأخيرة.. الى “الباهيه” تونس الخضراء التي على مرمى حجر! لماذا كل هذا العناء إذن؟.. عناء تراجع التفكير فيه وأنا أتذكر كل ما حصل في مطار بيروت قبل ساعات، وذلك القبطان الذي تمنيت لو انني اترك مقعدي واذهب لمعانقته واقول له:”بحبك يا لبنان”.. المكان الذي عشت العمر في حسرة زيارته، حلم لم يتحقق إلا بعد انتقالنا الى دمشق في ربيع 2006 تاركين بغداد المكتوية بجراحها الى أمد نجهله. كان علينا مغادرة سورية كل ستة أشهر لأغراض تتعلق بتجديد الإقامة قبل صدور قرار بجعلها دائمية للصحفيين والأدباء والفنانين وغيرهم ربما.

    زرت بلاد الأرز ثلاث مرات، الأولى، ليومٍ أمضينا معظم نهاره في انتظار مُمِلٍّ بمعبر(المصنع) لعل فائدته الوحيدة اكتشافي لألذ “مناقيش” أتناولها في كشك صغير على الشارع، وليلةٍ أبهرتنا متجولين ببيروت في الباص مع وقفة معقولة عند”الروشة”، تلتها زيارتان بثلاثة أيام لكل منهما.. والمجموع سبعة لم تشف غليلي، ففي كل مرة أغادر تظل نظراتي مشدودة الى جبال ووديان و”بقاع” يصعب عليَّ فراقها ممنيّاً الروح بالعودة يوما!

 «وينك أبو رولا؟”.. محسن الحسيني خبير المونتاج الذي عمل معنا في جريدة “الثورة” منتصف السبعينيات، غادر بعدها ثم انقطعت  اخباره تماماً، كيف ساعثر عليه وسط كل هذا الاستعراض الكبير..؟ لن أنسى ما حييت أحاديثه وروحه المرحة أبداً، وطنِيٌ، حَبّوب وطيب حتى النخاع. كنت خارجاً ذات صباح باتجاه دائرة إطفاء ساحة “عقبة بن نافع” لتناول الفطور في أحد المطاعم، واذا بصوت ينادي: “رياد.. رياد” بتضخيم الدال، كان قد أخرج رأسه من نافذة مسكنه في طابق علوي بالجوار، ثم مُقَرِبا يده باتجاه فمه: “تعا تروء معي تعا..”.. كانت المائدة مكتظة بصحون جبن أبيض ولبنة وطماطة وخيار وزيتون أخضر..”لك هاي شنو؟ الوان العلم اللبناني كلها هنا”.. اقول ذلك مازحا، يضحك ويعانقني ثم يرسم كرة بحركة من يديه “ اييييي مو متلكو.. ..تشريب..باجة..تكة..كباب عا وش الصبح.. متخلفين..فلّو حلّو عنا..”.. ثم: “اخ لو تتركونا بحالنا انتو العرب والغربا وتخلو لبنان يعرف كيف بدو يعيش”!! ولأنه يعمل ليلا على الدوام، كنا نأخذه الى سهرة في أبي نؤاس يوم العطلة، بصحبة “شلة” تضم أيضا علاء الدين حسين ومحمود عبد اللطيف عوني ومحمد السبعاوي وجاسم الزبيدي (الصحفي) وآخرين. ويوم وصلت زوجته مع ابنتهما، حرصت على أنْ يتذوق الجميع أكلاتنا العراقية البيتية ذات مساء ساحر في “غدير” بغداد، وصار كلما يلتقيني يسألني: متى ناكل الكبة حامض بالسلق ثانية، “عجبتا أم  رولا كتير؟؟»

     في زيارتي الثالثة والأخيرة لبيروت كانت كنتنا اللبنانية هناك أيضا آتية من بغداد لتَفَقُدِ أهلها. “اروزه”..أرزة الجبل، هكذا كنت أسميها، عَرِفَتْ كيف تعثر علينا بسهولة، لتقلنا مع نسيبها بسيارته من فندق “نابليون” بشارع الحمرا الى بيتهم في”المصيطبة”. سويعات أعادتنا الى أيام لن تتكرر من عمرنا العراقي المشترك، تدفع بطبق التبولة الكبير صوبي، “كول رياد.. كول أبو نصري.. هاي تحبا انت، كلما بشوفك بتذكر خيي جورج”..” الله يرحمو” نردد جميعا بصوت واحد.

      وفي آب 1988 وكانت قد عادت الى بغداد بعد زيارة مماثلة لبيروت قالت: “نيالكون خلصت حربكن، تا ننطر دورنا بـءا.”.. كان لبنان يشتعل زمنذاك طبعاً، فتقص علينا مشاهد من مآسيه، لكنها لا تخفي تفاؤلها أبداً بأن المياه ستعود الى مجاريها يوماً وأنَّ الجميع سيظلون إخوة كما اعتادوا منذ مئات السنين. ومن يعرف بيروت جيداً يدرك معنى التآلف والعيش المشترك في منطقة مثل “المصيطبة” التي أخذتنا في جولة بين انحائها بعد الغداء، فنتوقف معها لتتبادل التحايا مع معارفها من الجيران وأصحاب المحال والمارة. ويوم وضعت منشوري المعنون “لبنان يا قطعة سماء” في أيلول الفائت لم ترسم علامة دمعة او “زعل” بل اختارت اللايك، ثقة منها بان لبنان راجع راجع مثل طائر الفينيق.. أما أنا فأكاد أسمع صوتها وأصوات ابو رولا والمذيعة ريف عقيل وقبطان الطائرة إياه الذين يبدو عليهم أنهم يحبون جنتهم الصغيرة بصدق، ويتمنون ان يدعهم الغرباء وشأنهم، مع فارق مؤثر هو أنّ تلك الجورية اللبنانية العراقية صارت تعيش اليوم قلقا على بلدين عاشت حروبهما وتألمت لنكباتهما يجمعهما الكثير من الأشياء من بينها هَمٌ مشترك ثقيل، لكنه سيزول.. هكذا تعتقد، وأنها لامراة شجاعة حقا، أطال الله بعمرها والأحياء الذين ذكرتهم والرحمة على الراحلين.. انتظروا  وينتظرون جميعاً شمساً جديدة ستشرق على جنات عا مد البصر.. ما بينشبع منها نظر!!

مقالات ذات صلة