تحقيق

التاريخ لا يرحم..تفكيك رواية “نواف الزيدان” بالوثائق والمصادر

   نعم، قد تكون هناك تفاصيل صغيرة لا يعرفها الجميع، وقد تؤثر في مسار حقيقة كبيرة، وقد تكون الحقيقة كبيرة فتغطي على تفاصيلها الصغيرة. لكن هذا لا يعني أن نقول ما يعجبنا تحت أي ظرف، لأن الحقيقة لا بد أن تظهر في يوم من الأيام ولو بعد سنين، ومشكلة التاريخ أنه لا يرحم الكاذبين ولا المزورين ولا الخاطئين عمداً، ولا حتى الساهين!.

   لهذا، وفي وضع مثل وضع العراق الاجتماعي والسياسي، وهما أساس صناعة التاريخ العام لأي بلد، لا يمكن الوقوف على أي حقيقة، ولا تأكيدها، لا نفيها، إلى أن ينتقل العراق إلى حقبة تنتهي فيها عقبات تدوين التاريخ الصحيح، فتكون الحرية متاحة للتدوين والتوثيق والتأكيد.

وقد شاهد الجميع لقاء نواف الزيدان حول تسليم ومقتل عدي وقصي، وفيه أسئلة كثيرة تحتاج لإجابات.

    بالنسبة لي، لم أجرِ وراء حادثة نواف الزيدان وعدي وقصي لذاتها، وإنما جاءت تبعاً، حيث كنت أقرأ وأبحث كي أنتهي من تأليف كتابي (مذكرات شيخ جامع) الذي استعرض ما جرى في العراق في عامي 2003 و 2004. وتحديداً (صور اجتماعية عن الجوامع والحياة البغدادية خلال الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق).

     في كتاب (مذكرات شيخ جامع) حوادث بالمئات -إن لم تزِد-، عما جرى للعراق وأهله في تلك الأزمة، وقد حاصرتني منذ تأليف الكتاب الذي تصورت بعد صدور الطبعة الأولى منه في العام 2021 أنه سيفتح عن أعماق نفسي حصار تلك الحوادث الأليمة التي رافقتني خلال البحث والتأليف، فما زادني إلا حصاراً على حصار، حتى وجدتني مصاباً بهوس البحث عن تفاصيل أكثر، وزاد عدد المصادر التي وقفت عليها بعد الطبعة الأولى من الكتاب على 150 مصدراً جديداً – والحبل على الجرار-، وفي كل مرة أقوم بتضمين معلومات جديدة، أو أزيد في تفاصيل معلومات قديمة، أو تأكيدها بالمزيد من عناوين المصادر وأرقام الصفحات.ومنها هذه القصة، الزيدان وعدي وقصي.

     لكن قبل أن أبدأ، راودتني تساؤلات كثيرة عن ظهور الزيدان بعد أكثر من عقدين من الزمان منها: أين كان الزيدان كل هذه المدة؟، لماذا ظهر في هذا الوقت بالذات؟، ما هي قيمة ما يذكره من معلومات عن حادثة عدي وقصي؟، ولماذا – وهو الأهم – تعامل مع الكثير من المجريات المتعلقة بالحادثة بين التغيير والإخفاء خلافاً للمصادر التي تناولت الحادثة، تلك المصادر التي كتبها سياسيون، وقادة عسكريون وأمنيون، وصحفيون، وشهود عيان؟.

   هل هو تأنيب ضمير؟ لا يبدو كذلك، هل هو بحث عن دور؟ الله أعلم!، هل هو نكاية بهذا الطرف أو ذاك؟ الله أعلم أيضاً. ولندع هذه الأسئلة وندخل في صلب الموضوع تعقيباً على بعض الروايات التي وردت في لقاء نواف الزيدان الأخير مع إعلامي كويتي.

    ومن المهم أن أؤكد مرة أخرى أنني لست مع نواف الزيدان ولا ضده، أنا باحث، وأبحث عن الحقيقة فقط، وبالوثائق، وأن هذا المقال غير خاضع للتأويل بأي شكل من الأشكال، فقد صارت الحادثة جزءاً من التاريخ ومضى عليها اليوم ما يزيد على ربع قرن من الزمان.

    رأس السطر  ..

   من الصور التي شاهدها العراقيون والعالم ما حدث لعدي وقصي ابني صدام في 22 من جمادى الأولى 1424هـ، الموافق 22 تموز/ يوليو 2003، مصير معروف في ظروف مثل التي أحاطت بالعراق، قُتلا على يد الأمريكان في هجوم غير متكافئ على بيت سكني في الموصل، قتال متواصل انتهى بموتهما، وطويت بذلك صفحة أخرى من صفحات شخصيات كان تسرح وتمرح في الأرض طولاً وعرضاً، وتملأ أخبارها العيون والأسماع والإعلام، وبلحظة واحدة، إنتهى كل شئ.

    الزيدان أو غيره؟

أول وأهم قضية نبدأ بها هو سؤال يقول: هل الزيدان هو المخبر عن مكان وجود عدي وقصي أو غيره؟

ثلاثة مصادر ذكرت أن الزيدان ليس هو المخبر، وهي:

  1. “قصة سقوط بغداد”، (الصفحات 152، 158).
  2. “صدام الحسين الحقيقة المغيبة”، (الصفحة 259).
  3. “حرب العراق لموراي”(الصفحة 234).

لكن الزيدان أكد خلال اللقاء أنه هو المخبر الذي أرشد القوات الأمريكية إلى مكان عدي وقصي، حيث كانا في بيته، والاعتراف سيد الأدلة، ومعلومات المصادر الثلاثة خطأ، لكنه خطأ لا يمر على الباحثين، فمعظم المعلومات أشارت للموضوع، وبينت حقيقته، لتضع حول هذه المصادر الثلاثة علامات استفهام، وشكوكاً فيما أوردته من معلومات.

      عدد المصابين

    قال الزيدان في اللقاء أن المصابين من الجيش الأمريكي جندي واحد، وكانت إصابته عرضية لا مباشرة.

وتذكر معلومات المصادر إن الإصابات بين الجنود الأمريكيين كانت أكثر من ذلك.

تقول رواية الجيش الأمريكي:”حاصر اللواء الثاني، الفرقة 101 المحمولة جواً، بقيادة العقيد جوزيف أندرسون المنزل بينما طرقت قوات العمليات الخاصة الباب، حيث سمح لهم المالك، ودخلوا المسكن، واقتصرت المشاركة فوراً في تبادل للنيران مع أبناء صدام، وبعد أن أصيب أربعة من الجنود بجراح انسحب عناصر القوات الخاصة، وأطلقت قوات أندرسون صواريخ مضادة للدبابات، وجداراً من نيران الأسلحة الصغيرة في المنزل، وقضت النيران على عدي وقصي. وعثر اللواء على جثث قصي وعدي ومصطفى في الداخل، وتم تأكيد هوياتهم بعد ذلك بوقت قصير”. عن: (الجيش الأمريكي في حرب العراق، 223-224).

   مدة المعركة

ذكر الزيدان في اللقاء أن مدة المعركة كانت قصيرة جداً. وسخر من وجود مقاومة من قبل عدي وقصي. وتذكر مصادر أن المعركة كانت أطول من ذلك زمنياً، وإنها شهدت مقاومة.

     قال الرئيس الأمريكي جورج بوش إنّه”تم قتل الاثنين بعد اشتباكات لمدة ست ساعات”، عن كتاب ذكرياته: (قرارات مصيرية، 350).

        الكشف عن الكذب

 ذكر الزيدان خلال الحوار أنه أجري له فحص بجهاز الكشف عن الكذب، لكن لم يذكر نتيجة الفحص. وذكر مصدر أن الزيدان لم يجتز اختبار الكشف عن الكذب وكانت النتيجة الفشل.

     روى أحمد الجلبي أن الجنرال هلمك مساعد الجنرال بترايوس قائد الفرقة 101 آنذاك، روى له أنه:” قصد رجل إحدى الدوريات الأمريكية وقال لهم إن عدي وقصي موجودان في منزلي، تعالوا وخذوهما، فأرسلته الدورية إلى مقر القيادة وأخضعوه لجهاز كشف الكذب، ففشل”. عن: (العراق من حرب إلى حرب، 438، صفقة مع الشيطان، 532).

            عريف أم ضابط كبير؟

ذكر الزيدان خلال اللقاء أنه رفض تقديم معلوماته إلا إلى ضابط أو مسؤول كبير، وأن الضابط الأمريكي الكبير (وقف على رجليه) من هول المعلومات التي قدمها له عن موقع وجود عدي وقصي.

وتذكر مصادر أن الجيش الأمريكي عرض الزيدان في بادئ الأمر على جهاز الكشف عن الكذب كما مر سابقاً، ولم يستمع إليه أحد بعد فشله في اجتياز الفحص سوى عريف في الجيش.

    روى أحمد الجلبي أيضاً أن الجنرال هلمك روى له أن: “هذا الشخص [الزيدان، وبعد الفشل في اجتياز اختبار جهاز الكشف عن الكذب] توجه إلى عريف أمريكي وأكد له أنهما [عدي وقصي] موجودان عنده. فذهب العريف معه. وعندما رآه عدي وقصي حصل إطلاق نار، واشتباك وقتل عدي وقصي”، وأضاف هلمك للجلبي:” لولا مبادرة هذا العريف لكان عدي وقصي هربا”. عن: (العراق من حرب إلى حرب، 438، صفقة مع الشيطان، 532).

    يعلم أم لا يعلم بالمكافأة؟

   ذكر الزيدان خلال المقابلة أنه لا يعلم بأمر المكافأة المقدمة عن تسليم عدي وقصي أبداً. وذكر مصدر أن الزيدان كان يعلم بالمكافأة ومقدارها قبل التوجه للإخبار عن مكان عدي وقصي.

    يقول د. گوران طالباني:” وصل الطمع إلى رأس نواف الزيدان بسماعه بالجوائز الموضوعة على رأسي عدي وقصي، وبعد تفكير ومشاورة ابنه شعلان قرر الإبلاغ عن ضيوفه إلى القائد المحلي الأمريكي في مساء 21 تموز 2003″. عن: (وصمة الاحتلال وصناعة الفشل، 2/ 789-790).

25 أم 30 أم 50 مليون دولار؟

أعلن الزيدان خلال المقابلة أن مبلغ المعلومات المقدمة عن مكان وجود عدي وقصي هو 30 مليون دولار. مصادر أكدت الرقم ومصادر زادت ومصادر أنقصت.

     فقد ” أعلن بريمر أن المخبر عن مكان عدي وقصي نقل الى الخارج مع عائلته بكل أمان وتسلم 30 مليون دولار”.عن :(مجلة إن، تقارير، ص5، العدد 11، الثلاثاء 19 آب 2003، وفي التقرير: ورفض بريمر كشف اسم المخبر والدولة التي نقل اليها مع عائلته، وتضيف المجلة: لكن أكبر الظن أنها الولايات المتحدة).

     و”نشرت رويترز عن المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر أن وزير الخارجية كولن باول وافق على دفع مبلغ 30 مليون دولار مكافأة للشخص الذي أرشد القوات الأمريكية إلى مخبأ عدي وقصي صدام حسين، وامتنع باوتشر عن ذكر اسم الواشي، لكن تقارير إعلامية ذكرت أنه نواف الزيدان رجل الأعمال الذي كان عدي وقصي يختبئان في منزله بالموصل، فقتلتهما القوات الأمريكية يوم 22 من الشهر الماضي”. عن: (صحيفة الزمان، ص4 أخبار وتقارير، العدد 1573، الأحد 4 جمادى الآخرة 1424 هـ- 3 أغسطس/ آب 2003م).

     لكن خبراً آخر زاد رقم المكافأة 20 مليون دولار بشهادة أقاربه، حيث ورد أن :”الزيدان يحصل على مكافأة بقيمة 50 مليون دولار لكشف مخبأ عدي وقصي، وقد أكد أحد أقربائه أنه رأى بنفسه الصك، ولم يذكر إيضاحات حول قيمته التي زادت بعشرين مليون دولار عن المبلغ الذي أعلنه التحالف”. (صحيفة الزمان، ص4 أخبار وتقارير، العدد 1567، الأحد 27 جمادى الأولى 1424 هـ – 27 تموز / يوليو 2003).

     وخبر آخر أنقص المبلغ 5 ملايين دولار، حيث أخبر الجنرال هلمك الجلبي أن :” صاحب البيت الذي أبلغ عنهما حصل على مكافأة بقيمة 25 مليون دولار ونقل إلى أمريكا”. عن: (العراق من حرب إلى حرب، 438، صفقة مع الشيطان، 532).

   فأي الأرقام أصح؟، العلم عند الله.

    أزيدكم من الشعر بيتاً

    ما هي ردة فعل صدام حسين بعد وصول نبأ مصرع ولديه؟

وهذا ما لم يذكره الشعلان، ولا علاقة له به، وإنما هي معلومات للتاريخ أحببت مشاركتها مع القراء لتعلقها بمصرع عدي وقصي، جاء فيها:

نُقِلَ عن جورج بوش قوله:” ووردتنا معلومات إستخبارية أن صدام أمر بقتل إبنتيَّ باربرا وجينا رداً على مقتل نجليه”، عن: قرارات مصيرية، 350.

      ويذكر رامسفيلد أن ابنته كانت من المستهدفات أيضاً، فقال:”بعد مقتل ولديه، ورد تقرير استخباراتي بأن صدام حسين دفع 60 مليون دولار لعملائه لاستهداف ابنتي الرئيس وابنتي بهجمات انتقامية. وقد طرح تقرير التهديد هذا في اجتماع مجلس الأمن القومي في أكتوبر 2003. عرفت بذلك، لكنني واصلت مناقشتنا”، عن: المعلن والخفي، 2/205، واستجواب الرئيس، 62-63).

      مصادر ومصادر

     وبنتا بوش التوأم هما: باربارا، هي الابنة الكبرى “وعمرها 19 سنة وكانت في جامعة تتل، واسمها المشفَّر توركويز،  ودجينا، هي الابنة الثانية، وكانت في جامعة تكساس في أوستن، واسمها المشفَّر توينكل”، عن: بوش محارباً، 40، باختصار.

      مصادر أخرى تحدثت عن موضوع تسليم الزيدان لعدي وقصي ومقتلهما إثر ذلك.

     هذه المصادر كثيرة وعديدة تضمنها جميعاً كتابي مذكرات شيخ جامع، وتتلخص في الكتب الآتية بأرقام الصفحات أتركها لمن يريد البحث في الحادثة، مثل: يوميات من خط النار، 283، هذا ما حدث للدليمي، 240-242، ماذا حدث في بغداد؟، 296-297، بوابة الحشاشين، 183-185، لماذا يكرهوننا؟، 392، حرب العراق، 358، زلزال في أرض الشقاق، 507-508، ما لم يذكره بريمر في كتابه، 34، أعظم الأحداث المعاصرة، 703، الحرب على العراق، 983، أوراق تساقطت، 108، حقيقة الفشل الأمريكي في العراق، 72-73، كوبرا 2، ص 673-674،وهناك رواية أخرى عن مقتل عدي وقصي، ينظر: التاريخ السري للعمليات الأمريكية الخاصة في العراق، 84-86.

رفعت الأقلام وجفت الصحف!.

مقالات ذات صلة