“ما قلَّ ودلَّ”.. ولاتَ ساعة مندمِ..



“فرق تسد” و”الثور الأبيض”، عبارتان تتردّانِ على مسامعنا منذ نعومة أظفارنا، أضف إليهما “حزمة العصيّ التي يتعذر كسرها”، وجميعها تعبر عن الوحدة والقوة ومحاولات تفتيتها.
“ فرق تسد” حالٌ موجودةٌ منذ زمن السومريين، و أصل المصطلح لاتيني “divide et impera” وتأتي بعد “فرقْ تَغْزُ”. ويُنسب هذا الشعار تقليديًا إلى فيليب الثاني المقدوني، والمقصود: تفتيت المجاميع أو الأشخاص بقصد إضعافهم وجعلهم غير قادرين على تحقيق أهدافهم، وقد ينزلقون للقتال فيما بينهم، ومن ثم إنهاؤهم. وكل ذلك بطرق وأساليب مختلفة. وارتبطت سياسة “فرق تسد” ببريطانيا من خلال تأجيج الصراعات والانقسامات بين المجتمعات، خاصة في الهند، لتعزيز الحكم الإمبراطوري واستدامته .
أما “الثور الأبيض” فيحكى أن هناك ثلاثة ثيران ألوانها أسود وأحمر وأبيض تعرَّضت لهجوم أسدٍ، لكنها تصدت له بفضل تكاتفها، ما اضطر ملك الغابة لاستخدام المكر والحيلة فذهب الى الثورين الأحمر والأسود وادّعى انه لا ينوي الشر بهما لكنه يروم افتراس الثور الأبيض، وبسبب الخوف قرّرا ترك الثور الأبيض يلاقي مصيره وبالفعل تم افتراسه!.

بعدها ولشعور الأسد بالجوع الشديد عاود الكرة فهاجم الثورين وأيضا تصدّيا له ، فاضطر لاستخدام الحيلة نفسها، قائلا للثور الأسود، ما كان لكَ أنْ تقف بطريقي لأنني لم أكن أقصدك بل غايتي الثور الأحمر وستكون تحت حمايتي ، وهكذا انطلى الدهاء عليه مجدداً فنأى بنفسه لينفرد الأسد بالأحمر وتم له ما أراد، وما هي الا بضعة أيام حتى اقترب من الثور الأسود لافتراسه فاستسلم نادماً يائساً بالقول: لقد أكِلْتُ يوم أكِل الثور الأبيض!!.
مربط الفرس أن البعض لا يتعظ من العبر والتجارب المريرة عبر حقب زمنية أهلكت وشتت شمل أقوام ومازالوا يجعجعون دون أن يظهروا طحينا. والفُرقة تبدأ من الأسرة الواحدة وصولاً لدول ترتبط بمقومات مشتركة .
والحكمة المستنبطة، تحتِّمُ أنْ لا مناص من اليقين بأنَّ رفعتنا ومجدنا وعزنا بوحدة الاقتصاد والبحوث العلمية والتكنولوجيا والدبلوماسية والخطاب الاعلامي الرصين، والحصانة الفكرية، في ظل أمن مشترك مبني على استراتيجية طويلة الأمد، ومن هنا يتحقق السلام العادل، عندها لن نكون في غفلة عما يراد بنا، وبعدها لا ينفع يوم يعضُّ فيه المرءُ على يديه ويزم شفتيه من الندم .. ولات ساعة مندم.





