ترامب ينفذ نبوءة لينين: الامبريالية الرأسمالية تحمل بذور فنائها!




وعبر مختلف فروع الحكومة، يتم تقويض الخدمات التي يُفترض أن تحمينا – مثل مراقبة الترسانة النووية، والأمن السيبراني، ومكافحة الإرهاب – من خلال إضعافها أو نقص كوادرها أو تدميرها. كما أن نوعاً آخر من الحماية، يتمثل في الصحة العامة، وبرامج التلقيح، وسلامة الغذاء، ونقاء الهواء والماء، والخدمات الاجتماعية، والحقوق المدنية، وسيادة القانون، يتعرض للهجوم أيضاً.
الحكومة الفدرالية التي تخدم الناس تُجَوَّع، بينما الحكومة التي تخدم أجندة ترامب والأوليغارشية تلتهم أموال دافعي الضرائب، بما في ذلك مبالغ فاحشة تُضخ في وزارة الأمن الداخلي والجيش الأمريكي، الذي يُعاد تشكيله وفق رؤية بيت هيغسيث المشوهة لقوة مرتزقة قاسية لا تعرف الرحمة. وقد أفادت تقارير بأن هيغسيث عرقل ترقيات أكثر من اثني عشر ضابطاً من السود والنساء .
ومن اللافت أن فريق ترامب يكرر باستمرار أننا لا نستطيع تحمّل حماية الفئات الضعيفة أو توفير احتياجات الناس، وهو ما دفع أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك إلى تدمير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية العام الماضي، ما أدى بالفعل إلى عشرات الآلاف من الوفيات بسبب الجوع والأمراض التي يمكن الوقاية منها. كما أن الحرب مع إيران تخلق أزمة أسمدة في أوروبا وأفريقيا وآسيا قد تؤدي أيضاً إلى مجاعات واسعة. في المقابل، أنفقت كريستي نويم، الرئيسة السابقة للأمن الداخلي، أكثر من 200 مليون دولار على حملة إعلانية بطولتها الشخصية قبل أن تُقال!.

ورغم أن هناك ما هو أسوأ بكثير في الحرب العبثية وغير المبررة على إيران، فإن اللافت هو أنها تلتهم مليارات الدولارات يومياً في وقت تُجرى فيه تخفيضات هائلة على حماية البيئة والمتنزهات الوطنية، ويجري تخريب خدمة الغابات فعلياً بينما تُعرض الأراضي العامة لشركات الوقود الأحفوري ومصالح التعدين. ويتم نقل مقر خدمة الغابات عبر البلاد، ما سيؤدي على الأرجح إلى استقالات جماعية، كما حدث عند نقل مكتب إدارة الأراضي في الولاية الأولى لترامب. كما يجري إلغاء أكثر من 50 محطة بحثية تابعة لخدمة الغابات، ما يعني خسارة أبحاث وبيانات ومنشآت وكوادر لا يمكن تعويضها.
وقال ترامب في خطابه الرتيب الأسبوع الماضي: “لا يمكننا أن نهتم برعاية الأطفال. نحن بلد كبير… نحن نخوض حروباً… ليس ممكناً أن نعتني برعاية الأطفال، وميديكيد، وميديكير، وكل هذه الأمور الفردية”.
أموالكم، أموالنا، أراضينا العامة، أطفالنا. حتى إنه دفع رشاوى تقارب مليار دولار لبناة مزارع الرياح البحرية كي يتوقفوا، فقط بسبب عدائه الشخصي لأنظمة الطاقة النظيفة. كانت الولايات المتحدة تقود العالم في البحث العلمي، بما في ذلك البحث الطبي الذي أدى إلى اختراقات مهمة في علاج الأمراض، لكن كل ذلك جرى تقليصه إلى الحد الأدنى وما دونه. هذا قتل.
المثل القديم عن المدة التي تحتاجها حاملة الطائرات لتغيّر اتجاهها قد يفسر لماذا تبدو البلاد مستقرة نسبياً، ولماذا كانت ردود الفعل غير كافية؛ فالأثر الكامل لم يظهر بعد. في مرحلة ما، إذا لم تغيّر السفينة مسارها، فقد تبدأ في التسرب أو تميل بشدة أو تصطدم بجبل جليدي، وربما كان الجبل الجليدي موجوداً طوال الوقت واسمه دونالد ترامب.
لقد بدأ حراً بلا سبب يُذكر – وقد استُخدمت كلمة للمتعة– ما يزيد من تقويض الاقتصاد العالمي الذي سبق أن ألحق به ضرراً كبيراً عبر رسومه الجمركية المتقلبة. تحتاج الشركات إلى القدرة على التخطيط، لكن الرسوم التي تتضاعف ثم تتلاشى ثم تعود فجأة مثل مزاجه تقوض هذه القدرة. وبالطريقة نفسها، فإن التهديدات التي لا تُنفذ، والمحادثات التي لم تحدث، وقرارات الإدارة التي تُبطلها المحاكم، كلها أشكال من الارتداد السياسي العنيف الذي يربك الجميع وكل شيء، في عرضٍ للقوة يكشف أيضًا عن التخبط وعدم الاتساق.

لكن فجاجة هذا المشهد قد تكون مجرد تشتيت عن طابعه التدميري. فجزء كبير من الإعلام السائد يعمل الآن كوسطاء روحيين يحاولون تفسير أفعال ترامب وإدراجها ضمن سياق قيادةٍ ذات كفاءة وأجندات متماسكة. ولو كانت هناك أجندة متماسكة، فهي أجندة تدميرية خبيثة.
الشعار الذي أصبح شائعاً حديثاً “غاية النظام هي ما يفعله” مفيد هنا، لأن ما يفعله هذا النظام هو الإضعاف، والإضرار، والإفساد، والإيذاء. أما فكرة وجود أجندة متماسكة يقودها فلاديمير بوتين، فهي تبدو منطقية بمعنى أن معظم ما فعله ترامب كان مفيداً للدكتاتور الروسي المتقدم في السن، وفي الوقت نفسه ضاراً بالولايات المتحدة.
كما يبدو واضحاً أن ترامب أراد العودة إلى السلطة جزئياً للانتقام من بلد رفضه في عام 2020، كما يفعل شريك سابق يتحول أحياناً إلى مطارد قاتل لامرأة تجرأت على الهروب منه، ولينتقم تحديداً من الأفراد والمؤسسات التي حاكمته أو أعاقت طريقه. وعلى مستوى ما، يدرك ترامب أنه يفشل سياسياً وذهنياً وجسدياً، ويريد أن يجرّ كل شيء معه إلى الأسفل، كما كان الحكام القدماء يُدفنون مع خيولهم وخدمهم المذبوحين. وهو أيضاً، مع اقتراب شبح الموت منه، يحاول انتزاع شكل من الخلود عبر وضع اسمه على المباني وتصاريح المتنزهات والعملات.
لكن محاولة فهم الدوافع ليست سوى هواية، بينما ينبغي التركيز على النتائج. لا نحتاج إلى فهم هؤلاء المجرمين كي نحاول احتواءهم وإزاحتهم في النهاية. لن يبقوا إلى الأبد، وعلينا التفكير في ما سيحدث بعد رحيلهم، الحديث عن نوع إعادة الإعمار التي ستواجهها الولايات المتحدة لأول مرة منذ الحرب الأهلية، إعادة إعمار بلدٍ منهك وفاسد يحتاج إلى استعادة قدرته على العمل، لكن ليس بالعودة إلى ما كان عليه.





