تحولات “حميد سعيد”..نصٌّ فارقٌ في مسيرة الشعر




عمل حميد سعيد في “تحولات” على تصوير مشهد متكرر يلتقط صوراً من الحياة اليومية ل(بائعة الزهور) يحاكي من خلاله الصورة المأساوية لتتابع الأحداث بقسوة على الشخصية المؤثرة في الحدث،والتي تمثلها تلك الصبية التي تبيع الزهور خلال مرورها بالمقهى.
المشهد الوصفي من خلال النظرة العابرة على مجمل القصيدة ،يوحي بأن هناك بنت فقيرة تبيع الزهور،اعتادت المرورعلى المقهى الذي يرتاده الرجل بشكل يومي، تكرار مشهد الحضور اليومي خلق نوعاً من الاعتياد لدى الرجل،اضفى ذلك لمراقبة التحولات التي طرأت على شكل البنت وتقلبات مراحلها العمرية حتى تغيرت ملامحها الطفولية التي أعتادها وباتت على غير الهيأة التي عرفها بها وهي طفلة تجوب المقهى،وتقف عنده ،وربما تحاوره ببراءة لتقنعه بشراء بعضاً من أزهارها.

جاء حميد سعيد بتقنية شعرية غاية في الدقة أجاد من خلالها بتوظيفه لعنوان القصيدة، “تحولات” والتي تنبئ عن استمرارية في الحركة تشي بأن هناك (أدوار أو أطوار) أخرى سيذهب الشاعر لتناولها وتوظيفها في نصه،تصف التغيير الذي يطرأ على الحالة التي بنى عليها التصور الذهني لقصيدته.وليرصد أيضاً كما سنرى التغير الذي طال (بائعة الزهور)،وما تبدل من حالها، والتغييرفي صورة الجسد (من وإلى)،وسنة الحال التتبدل والتغيير،وليس الثبات على حال واحدة.

ذهب سعيد ليجسد حركة الزمن على جسد الصبية، فاظهر الاختلاف الذي طرأ،وتبدلت من خلالها معالم الأنوثة بعد أن كانت ملامحها طفولية تتطلب التعامل وفق أسلوب العطف والحنان، أي كانت المشاعر(أبوية)، لكن الصورة أختلفت في مرحلة الصبا،حين برزت معالمها الأنثوية، وغلب على تصرفها الأرباك، لكن حميد سعيد يدرك أن (لحظة العصف) تلك التي في الشعر فرض قسري على القارئ لابد وأن يقف عندها بكل حواسه ومشاعره، لذلك قال سعيد (تزهو بما اكتنزت)، من يعرف حميد سعيد فعلاً،يعرف أنه أختزل كل تقلبات الزمن في (تحولات)،فجاء بهذه الجملة الشعرية الشاملة المستوفية شعراً ليحرك ايقاع القصيدة وليخرجها من النمطية التراتيبية إلى فسيح الوصف ودقة تفعيل الصورة وتكامل الاحساس بتقلباتها،ناهيك عن دقة المعنى. جملة شعرية وصفية و قصدية بينت براعة الوصف في شعر حميد سعيد وأكتمال صورته،حين صور أن المأساة التي تحملها “تحولات” تتجسد بمروردقائق وأيام العمروسنينه تتسرب من أيدينا بسلاسة، كما يرشح الماء من إناء يحوي ثقب لايُرى.وفي تلك التحولات مرحلة قاسية تتجسد في(الأمومة) التي توصف بثقل الحياة مع استمرار حالة البؤس التي يخلفها الفقر واستمرارية الألم.

وفي هذا النص ذهب حميد سعيد إلى أن يقدم صورة مكثفة بالدلالة الزمنية والإنسانية،كما تناول المشهد من ناحية اجتماعية ليشكل البنية الدرامية للقصيدة بمشهد متسلسل زمنياً يربط بين الماضي والحاضر،أراد أن يبين من خلاله التواصل الزمني المرتبط بالتغيير الذي يطرأ على الإنسان وتقلبات وآثار ذلك التغيير.
لم يغفل حميد سعيد التطرق لاستحضار مشاهد قديمة من الذاكرة (يوم يقول لها)،ربما كان فيها خطاب مغاير (ندية)، فيظهر نتيجة ما جرى وما خلف ذلك الموقف المقصود (تخاصمه وتغادر)، ثم ومن بعد ذلك الاستذكاريقول( لقد كبرتْ)،وهنا انتقال لمرحلة وصفية أخرى يثبت فيها الشاعر “تحولات” ما جرى على صورة تلك الصبية (بائعة الزهور). وهو توصيف جدي للعلاقة التي جاءت بعد التحول الذي قصده سعيد ب( لقد كبرت)،وهوإيذان بتحول العلاقة الوصفية إلى غيرها، ربما توصف بأنها روتينية معتادة بفعل التكرار اليومي أو النفعية لما تمثله من تبادل في المواقف بين الحاجة وتقلبات العمر.

وربما قصد حميد سعيد “تحولات” الموقف بين الرضا والقوة،فهي في مرحلة صباها كانت تملك سمة السطوة بفرض ما تريد (تبيعُ لهُ ما تشاءُ.. لا ما يَشاءْ)،لكنها وفي المراحل التالية لم تعد تملك تلك الرفاهية في فرض ما تريد.وفي تلك الصورة جسد سعيد صفة الخضوع للحاجة،وليس لإرادة البائعة التي كانت تفرض ما تريد، وهو تحول من سلطة العاطفة إلى سطوة الحاجة التي عليها البنت.
هنا صورة فارقة لابد أن يقف عندها قارئ النص، ومن قبله الناقد إن أراد أن يترك بصمة في ما يتناوله من “تحولات” حميد سعيد،تتجسد بالمفارقة المؤثرة في المشهد الشعري الذي رسمه بعلامات الغضب التي تطغى على ملامح البائعة في (مرحلة الطفولة)،حين يخبرها (بعدم امتلاكه المال)،ثم هي نفسها تعود لتأخذ منه المال مقابل أشياء لاتنفع، قال فيها(تشغله ببضائع .. لا نفعَ فيها)

“تحولات” حميد سعيد حملت صوراً مغايرة لكنها متقنة ومدعمة بمشاعر حقيقية تنطق بما احتوت من خيبات يتركها الانتظار المضني لأحلام لا تتحقق تحت وطأة الفقر وما يخلفه من تلك الخيبات،صور تجسد أن الحدث الحقيقي للقصيدة يرتكز على شخصيتين رئيسيتين الرجل الذي يرتاد المقهى،والصبية بائعة الزهور،وهي التي تتجسد فيها كل معاني الوصفية الشعرية التي حملتها “تحولات” وجسدها سعيد صوراً بنى عليها حبكة نصه، فأجاد بتصوير تحولات الجسد ،والمشاعر،والزمان، فيما أبقى المكان كصورة ظرفية تتابعت فيها الأحداث وتقلبات المشاعر وصور الجسد وما يطرأ عليه من تحولات لمراحل عمرية يتسرب من خلال خيوطها عمر الإنسان،فتتبدل احواله ومشاعره وصوره، وكيف تتحول العلاقات الإنسانية إلى الصورة المادية التي لاهاجس لها سوى الربح، الذي لايخلف سوى الآسى على الماضي.
لقد سجل حميد سعيد قراءة مغايرة في “تحولات” خرج فيها من أقنعة اللغة وما فيها من تعقيد،وذهب ليقدم تجربة غاية في الدقة،جسد من خلالها نصاً موازياً للواقع المعاش،وكأنه أراد أن يكون مرآة تعكس الحقيقة دون رتوش.وتتناول تقلبات الزمن ،وتبدل الحال، تصف قساوة الزمن،وما تخلفه من آثار عميقة يتركها الفقر على شكل الإنسان ويؤثر في مراحل حياته المختلفة.
“تحولات” مشهد حقيقي لصورة الحياة ومسيرتها المضنية من أجل العيش والتعايش،عبر عنها حميد سعيد بدقة وحرفية اعتدناها منه في تناوله للشعر الوصفي،حتى أني لأظن أن سعيد يرسم صوراً ناطقة تنبض جمالية من شدة ما يوظفه من (وصفية) متقنة بنقل الصورة.
جمع حميد سعيد كل تقنيات وجماليات البساطة في نصه،وسعى لتفريغ المشهد الشعري مما يشكله من أدوات وعناصر لفظية كانت أم حسية،ما جعل النص يفرض نفسه على القارئ بكل تفاصيله، نص يوصف بالتعقيد لما احتواه من فن وبساطة، تَمكن من خلالها حميد سعيد أن يوظف عنصر الزمن ببضع كلمات وبدقة متناهية.
“تحولات” نص بُني على أسلوب التبسيط لا التعقيد، شكل منه سعيد خيال غارق في الوصفية وبشعرية عالية اعتدناها منه،تتجانس وصدقية الصورة وحرفيتها في التعبيرعن حقيقة معاشة ثابتة مكرسة في حياتنا اليومية، نص بثلاث مشاهد وصفية جسد فيها حميد سعيد بإبداع منقطع، وباختزال دقيق سيرة حياة مقرونة بالوصف والتخيل نصاً لايقال فيه إلا بأنه من النصوص الفارقة في مسيرة الشعر،وبصمة من بصمات شاعر لاتوصيف له إلا ب(سيد الشعر).





