رحيلُ رجل آخرُ من زمن (البناية الحمراء).. د. جواد هاشم، بعد صباح كجه جي..



كنتُ أعاني من وعكة انفلونزا شديدة ساعة تلقّيتُ الخبر الحزين برحيل (ابن مدينتي الكندية فانكوفر) الدكتور جواد هاشم وزير التخطيط الأسبق، ومن ثم المعارض الذي تعرفتُ عليه في بغداد خلال سنوات يصفها الكثيرون بـ(الزمن الجميل).
(ابرقتُ) على الفور الى صاحب (برقية) الأخ صباح اللامي الذي نشر على موقعه توثيقاً مصوراً عن عراقي آخرَ يودّع الحياة في (منفاه) بعيداً عن أرض الوطن..

ودائما، هي سبعيناتٌ غالبةٌ، تلك التي تحفز الذاكرة لاسترجاع وقائع وأحداث كثيرة مفعمة بآمال وأحلام تجعلنا نتكلم عن شخوص عبر الزمن، أو عن زمن عبر شخوص أسهموا في رسم ملامح عراق جديد رسمناه في مخيلتنا، قبل أن نبلغ حقبة تجري فيها الرياح بما لا تشتهي السفن.. سفننا نحن أبناء أرض الرافدين الذين أردناها سعيدة طيبة، لنا وللأجيال الآتية.
لا ذكريات محددة تربطني بالرجل، سوى أنني كنت الصحفيَّ المكلف بتغطية أخبار وزارةٍ، كان هو على رأسها في فترة مشهودة من تاريخ البلاد كتبتُ عنها في رثاءِ رجلٍ من زمن (البناية الحمراء)، صباح كجه جي مدير عام الدائرة الصناعية في الوزارة، الذي كنت ألتقيهِ ومدراء عامين عديدين مرة في الأقل اسبوعياً.

كنت أحرص على الذهاب بأناقة كاملة تلائم المكان والزمان معاً. (البدلة) من إنتاج شركات وطنية، أو (تفصال) على يد أمهر خياطي ذلك (العصر العراقي)، وربطات عنق من معرض البلداوي الشهير في شارع الرشيد. وليست بعيدةً عنه محلات (حسو إخوان) التي أبتاع منها القمصان، ثم أُكمل باقي اللمسات بحذاءٍ فاخرٍ من إنتاج (سعيد حراق) ، او (زبلوق) او (باتا).
لا ذكريات عراقية مع الرجل الذي شاهدته عن بعد مرات قليلة جداً في مؤتمر صحفي أو ما شابه، عدا مرة واحدة رأيته فيها وجهاً لوجه، لو كنتُ التقيته خلال سنيّ اقامتي في فانكوفر لذكَّرتُهُ بها، وسألته عن سكرتيره الخاص (أبو علي) الذي كنتُ أنتظر في غرفته قرارات الهيئة التوجيهية لمجلس التخطيط ذات ظهيرة متأخرة، وكيف جاء هو (الوزير) بنفسه كي يستنسخ ورقة ما، ليتفاجأ بوجود شخص (غريب) في مكتبه الخاص، قبل أن يوضح له (ابو علي) قائلاً: استاذ رياض من جريدة (الثورة).

(هااااا، جاي على مود الاجتماع) قالها الوزير ومضى.
أما (ابو علي) ذاك ولا أعرف اسمه الكامل فقد كان شخصاً مربوعاً، متوسط الطول، يضع نظارة طبية يضغطُ ذراعاها على خصلاتِ شعر قليل، ينمو على جهتي رأسه المشحون بالحرص والدقة والكتمان، والطيبة أيضاً.

ولم يتم أي لقاءٍ بيني وبين الراحل جواد هاشم في المدينة التي تجمعنا (فانكوفر)، لكنني قرأت فور وصولي الى كندا كتابَه (مذكرات وزير عراقي مع البكر وصدام _ ذكريات في السياسة العراقية: 1967 _ 2000)، كان قد أهداه بإمضائه الى شقيقي الأصغر ( رعد) في العام 2006. ثم كتابه الثاني (مذكرات وزير عراقي _ ذكريات في السياسة العراقية 1967 _ 2000) في العام 2017.

تعارف الرجلان في العام 2004، بعد لقاءات أولى أعجب الدكتور جواد خلالها بالروح العصامية الحريصة التي يتحلّى بها رعد، أول الطيور المهاجرة التي تركت بيت (شابا توما) في حي الغدير ببغداد الى مرافئ الغربة، في لحظة تأريخية، وبضربة حظ فريدة، جعلته من بين (المحظوظين) الذين أقلتهم آخر طائرة تقلع من بغداد الى أثينا في اليوم الذي سبق دخول القوات العراقية الى الكويت في الثاني من آب 1990، حيث مُنع السفر من بعدها.. .. والى باقي القصة التي باتت معروفة للجميع.

كما أنّ الدكتور الراحل أعجب باهتمامات رعد الفنية في الرسم والنحت والتي كان ينقل بصماتها على أعمال الصباغة والغسل (الباور واش) والتحديث التي يتولاها شقيقي طوال عقدين من الزمان في بيته بين الحين والآخر.
يتبادلان التهاني مرتين في السنة، يبعث الوزير تهنئة في أعياد الميلاد ورأس السنة الى رعد الذي يحرص على تقديم تهنئة لأبي جعفر في عيد ميلاده كل عام، ما عدا الأعوام الأخيرة التي شهدت تدهوراً ملحوظاً في صحة الدكتور جواد.


أحبّت العائلة كلّها (الأب والأم وجعفر وعمر) شخصية رعد وطريقته في التعامل والعمل. وعند وفاة ربِّ الأسرة كان رعد من بين الأوائل الذين هاتفوهم ودعوهم الى الحضور والمشاركة في مراسم التشييع ومجلس العزاء.
يروي رعد عن خصال الراحل أنه كان إنساناً لطيف المعشر، دقيق الملاحظة، يحب الموسيقى الكلاسيكية، بسيطاً: (كان يحمل الغداء بيديه اليَّ حيث أشتغل في بيته، ونتبادل أطراف الحديث أثناء تناولنا الطعام معاً، وتتكرّر الحالة طيلة أيام العمل)..
هذا ما قاله رعد عن الدكتور جواد هاشم ونقلته أنا في سطور تتحمل الكثير عن رجل أرثيه وأنا أسترجع ما كتبته في وداع الراحل صباح كجه جي، ، في شهر آذار من العام الماضي (2024) وصَفَهُ البعض بأنه وداع بطعم الرثاء لمرحلة من تأريخ وطن آن له أنْ يستريح.


رحل صباح كجه جي ابنُ الثالثة والتسعين قبل أيام. علمت بالخبر من ابنة عمته زميلتنا إنعام المقيمة في باريس. وما عدا الحزن، تنتابني مشاعر شتّى وأنا أكتبُ إليها كلمات المواساة بعراقيّ انطفأ هناك.. ما وراء الحدود، لكن روحه ظلت مشدودة إلى الداخل، امتداداً لعمر أفنى معظم سنواته في خدمة وطن ينشد الاستقرار والنماء.
غيابه الأبديّ يحيلني إلى زمن لا يُنسى، عندما كان هو مديراً عاماً للدائرة الصناعية في وزارة التخطيط، يفتح وأقرانه أبواب مكاتبهم مشرعة أمامي، كي أخرج بصيد صحفي ثمين، يحكي جانباً من نهوض ملموس، ببرامج تنموية مستدامة، ترسم ملامحها الرئيسة هنا، ضمن خطط سُمّيت ب “الانفجارية” أحياناً.!
كل شيء يتم وفق أسس مدروسة مسبقاً، مستمدة من واقع البلد وامكاناته الطبيعية والبشرية، وفق جداول زمنية وكُلَفٍ محسوبة تتم متابعتها بدقة وصرامة، لا تسمح بأي تلكؤ، ولا ترضى بأي اعوجاج أو تسرب أو نضوح!
أحثّ الخطى سعياً وراء التفاصيل، وبالكاد ألحق بخطاهم، يملؤني زهو حقيقي وأنا أتنقّل بين ممرات تلك “البناية الحمراء” وطوابقها الشامخة بكبرياء، الرابضة بهدوء على ضفة دجلة بجانب الكرخ، مرتدياً أفضل ما عندي من “بدلات” وربطات عنق وأحذية لشركات عراقية “مفخرة انتاجنا الوطني”. إنتاج وعمل يشمل مختلف مناحي الحياة.

أشعر بالأمل يكبر ويتجدد وأنا أرى جارتي الخالة “صلحة ” تذهب إلى صف “نحو الأمية ” كما كانت تسميه في البداية. وفي المساء تضحك مع حجي راضي يردد “نحباني للو..”، وتقرأ “راشد يزرع”. لتتحدث في مرحلة لاحقة عن تعليم إلزاميّ مجانيّ وجامعات ومستشفيات ومدينة للطب وصناعات للنفط والصلب ومعامل الاسكندرية حيث السيارات والجرارات، ونهر ثالث وسدود وبحيرات وصحراء تكافح، وجسور وطرق ومترو أنفاق وقطارات؟.
بطالة تتراجع، وسياح يزورون مدننا الآثرية ومتاحفنا وأسواقنا العامرة بالخير والتاريخ. وأفواج عراقية تذهب للاستجمام في منتجعات وشواطئ أوروبا .. ثم تنتابني دهشة ممزوجة بالفخر والإعجاب وأنا أسمع من يهمس في أذني: إذا ما استمرت خطط التنمية وفق ما مرسوم لها فإن العراق سيخرج من بوتقة “العالم الثالث” بلا رجعة..!
تظل الفكرة تلازمني وأنا جالس في كافتيريا الوزارة الأنيقة المطلة على دجلة وشارع الأحلام “أبو نؤاس” في الشاطئ الآخر، في انتظار مقررات الهيئة التوجيهية لمجلس التخطيط التي تنعقد كل اثنين أو ثلاثاء، مستمتعاً باشهى طبق “تبولة” وألذ “ساندويج” تناولتهما في ذلك “العصر”، عصر ابتدأ من مطلع الخمسينيات، عندما ولد مجلس الإعمار وأحدث قفزة هائلة في جميع ميادين التعمير. منها مشاريع وطنية استراتيجية وتنموية وخدمية كبيرة لا يزال العراق يحتفظ بالكثير منها، بل إنّ معظمها التي نفذت في عهود ما بعد الملكية ولدت داخل مجلس الإعمار ذاته، بما فيها المكان الذي أجلس فيه الآن، وجسر الجمهورية الذي كان سيسمى جسر الملكة عالية، والذي أعبرُه ذهاباً وإياباً كلما قصدتُ وزارة التخطيط ..!
حتى الراحل صباح كجه جي نفسه، والذي شغل مناصب عليا في وزارة الصناعة أيضاً، ينتمي إلى زمن مجلس الإعمار الذي عُيِّن فيه مهندساً بعد تخرجه من جامعة ألينوي الأميركية عام 1956، ليبدأ رحلته الطويلة مع مشوار التنمية والتخطيط والإعمار.
وأنا أيضاً، أحببت كلمة (الاعمار) في سن صغيرة. كنت أسمعها تتكرر في الأخبار عبر ذلك الراديو الضخم الذي بحجم المبردة ويعمل ببطارية السيارة “السائلة”. كان أبي قد ابتاعه إثر تعيينه في مستوصف “باره” الملكي الذي افتتح للتو في تلك القرية الأيزيدية النائية في ريف قضاء سنجار..
هناك، كان يزورنا أشخاص كثيرون، موظفون، إداريون، معلمون، رجال شرطة وجمارك .. يتوقفون في بيت “شابا الدختور” لنيل قسط من الراحة أو تناول وجبة طعام.
وذات نهار قائظ توقفت سيارة أمام البيت تقل سيدة بيضاء تتكلم الانجليزية، يرافقها شخصان أحدهما عراقي. وعرفتُ فيما بعد أنهم في مهمة تخص مجلس الإعمار.. وعرفت أيضاً أن بيتنا الواسع والمستوصف والمدرسة ودور المعلمين ومنشآت حديثة وطرق موزعة في قصبات مماثلة في “لواء” الموصل وغيره هي من ثمار المجلس أيضاً.. و”عمّر يا معلّم العمار. “…!

“ها وين وصلت..؟”. أرفع رأسي لأرى وجه جاسم الزبيدي قبالتي بضحكته المعهودة. وهو غير المصور الراحل بل زميل في مجلة “وعي العمال” وموظف في الوزارة. صديق مقرب نقطع بعض الوقت في الكافتيريا لنواصل حديثنا في لقاء ليليّ مع علاء الدين حسين ومحمود عبد اللطيف عوني ومحمد السبعاوي. نستمتع بنسمات النهر الخالد وعالمه الرحب، ونتحاور ونحلم.
“ما أدري وين وصلت يا جاسم!”. ليتك تقرأ خواطري هذي، بعد سنوات سبعينية مسرعة طيبة شهدت ابتعادي عن السعي وراء الأخبار بسبب تفرغي كلياً لمهام التحرير.
إلا أنني ومع دخولنا عقد الثمانينيات، وجدت نفسي في أحد الايام داخل “البناية الحمراء” من جديد، بناء على موعد مسبق مع سيروان عبد القادر “الجاف” مدير عام دائرة المباني والخدمات في وزارة التخطيط، أستكمل تحقيقاً مطولاً عن قصر المؤتمرات المستوحى من قصر الأخيضر، وفندق الرشيد “الديلوكس”، وهما صرحان كبيران مع منشآت وفنادق أخرى شُيدت استعداداً للقمة السابعة لدول عدم الانحياز التي ستعقد في بغداد .1983
كنت وزملائي قد أبرقنا النبأ الى بغداد من هافانا حيث القمة السابقة 1980 التي اتخذت القرار. إلا أن دويّ المدافع على الحدود الشرقية حال دون انعقادها، فذهبنا إلى نيو دلهي التي حلت محل العاصمة العراقية. وهناك جرت مفاوضات صعبة ينقل لنا تفاصيلها طه البصري رئيس البعثة الاعلامية، وكيف أنها أفضت أخيراً بفوز العراق بحق انعقاد القمة التالية 1986. وهو ما لم يحصل للسبب ذاته أيضاً.

ومن العاصمة الزيمبابوية هراري التي أصبحت المكان البديل، كنا نتابع الجلسات، لكننا لم نعد نكترث بأيِّ حديث يخص القمم بل إنّ الجهود باتت تتركز على إنهاء الحرب. ..!
ثم سكتت المدافع ووضعت الحرب أوزارها. إلا أن أحداً لم يعد يعير أهمية للتنمية وبرامجها، لأن هواجس الناس بدأت تأخذ منحى آخر، بهموم تكبر مع حرب ثانية وحصار وجوع وفقر، ثم حرب ثالثة وماتلاها ..
كل هذا و البناية الحمراء في مكانها، تحكي للأجيال صفحات من تاريخ بلاد كتب عليها الانتظار، أما أنا فألفيتُ نفسي فاقداً ذلك الشعور السابق بالزهو حتى زمن أجهله ..! .
ولا يسعني في الختام، الا أن أسأل الرحمة لروح الفقيد صباح كجه جي وكل الراحلين الذين ورد ذكرهم في سطوري، متمنياً العافية وطول العمر للأحياء منهم.





