انحراف جديد في مسارات السياسة الأميركية منذ 112 سنة!!


برقية: “خاص”-ترجمة وتحليل
تزداد يوماً بعد آخر، الانحرافات التي ترتكبها “إدارة ترامب” شديدة الخطورة على الولايات المتحدة نفسها، وحلفائها، ومنذ ثمَّ على المجتمع الدولي بأسره!. لقد طلب ترامب من المحكمة العليا إصدار أمر طارئ لإزالة “ليزا كوك” من مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وهو طلبٌ لم يسبق له مثيل لنحو 112 سنة طبقاً لوكالة الأسوشييتد برس!. وكان الرئيس الأميركي قد طالب باستقالة ليزا كوك فوراً من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، في العشرين من الشهر الفائت، لكنها رفضت الانصياع لأوامره!.
هذه الخطوة تمثل تصعيداً غير مسبوق في نزعة ترامب لتقويض الضوابط والفصل بين السلطات، خاصة في ما يتعلق بالمؤسسات المستقلة. عزل ليزا كوك لا يتعلق فقط بشخصها أو مواقفها، بل يعبّر عن تحوّل في منهج الحكم الجمهوري بقيادة ترامب نحو مركزة السلطة وتسييس كل أذرع الدولة، حتى تلك التي كانت تعتبر تقنيّة أو حيادية مثل مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وإذا استجابت المحكمة العليا لهذا الطلب، فسيُشكل ذلك سابقة دستورية خطيرة تهدد استقرار النظام الأمريكي القائم على الفصل بين السلطات واستقلالية المؤسسات.
وثمة تحليل سياسي ينظرُ إلى “جملة انحرافات” ترامب على أنّها تعمل بمنهج واحد يهدف الى “إعادة تشكيل الدولة العميقة Deep State، وفقَ رؤيته، وهو ما يتناغم مع خطابه المستمر الذي يكرّر فكرة “استعادة السيطرة” من قبل “النُخب” و”المؤسسات” غير المنتخبة!!.
وبحسب وصف المراقبين، يمثّل هذا التطور انحرافًا شديد الخطورة في المنهج السياسي والمؤسسي لإدارة الرئيس دونالد ترامب. إنّه بالدرجة الأساس يستهدف “استقلالية المؤسسات الفيدرالية”، فمجلس الاحتياطي الفيدرالي “Fed“يُعدُّ من أكثر المؤسسات استقلالاً في النظام الأمريكي، وقد صُمّم خصيصاً ليكون بمنأى عن الضغوط السياسية اليومية.
ونظر المراقبون في الولايات المتحدة إلى محاولة ترامب عزل ليزا كوك، وهي عضو أُقر تعيينها مجلس الشيوخ، على أنه يُمثل تحديًا مباشراً لاستقلال هذه المؤسسة، مما يعكس توجّهاً سلطوياً نحو تسييس السياسات النقدية.
وفي تفاصيل بثتها وكالة (أسوشيتد برس)، ذكرت أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب، طلب يوم الخميس، من المحكمة العليا إصدار أمر طارئ لإزالة ليزا كوك من مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي.
وقد لجأت الإدارة الجمهورية إلى المحكمة العليا بعد أن رفضت محكمة الاستئناف الموافقة على عزل كوك، في إطار جهود الرئيس دونالد ترامب لإعادة تشكيل مجلس الاحتياطي الفيدرالي المكوّن من سبعة أعضاء وتوجيه ضربة لاستقلاليته.

وتُعد الحملة التي تقودها إدارة ترامب لإزاحة كوك محاولة غير مسبوقة لإعادة تشكيل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الذي صُمم ليكون مستقلاً إلى حد كبير عن السياسات اليومية. ولم يقم أي رئيس في تاريخ الوكالة الممتد لـ112 عامًا بعزل عضو حالي في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي.
وكانت كوك، التي عيّنها الرئيس الديمقراطي جو بايدن في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، قد صرّحت بأنها لن تترك منصبها ولن تسمح “بترهيبها” من قبل ترامب. وقال أحد محاميها، آبي لويل، إنها “ستواصل أداء واجباتها التي أقسمت عليها بصفتها عضوًا في مجلس المحافظين أقره مجلس الشيوخ.”
وفضلاً عن كل الحسابات، فإنّ استهداف “ليزا كوك”، بالذات يعني أنه “استهداف رمزي”، ذلك أنّ هذه السيدة، هي أول امرأة أمريكية من أصل إفريقي تُعيَّن في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وعيّنها الرئيس الديمقراطي جو بايدن. ومحاولة عزلها ليست فقط تقنية أو سياسية، بل تحمل رمزية أيديولوجية وجندرية وعِرقية في آنٍ واحد، وتُظهر رغبة ترامب في تفكيك إرث بايدن حتى على المستوى الرمزي. وبالتالي فإن بعض المراقبين في العالم ينظر الى هذا السلوك على أنه “انتقامي” من طراز لم يُعهد في العالم بأسره، وليس في الولايات المتحدة وحدها!. ويقول هؤلاء المراقبون “إنها حالة انحراف تدعو الى السخرية”!.
إنّ ترامب حين يصرُّ على إزاحة “ليزا كوك” من منصبها، فإنه بذلك يبعث رسالة الى القاعدة الشعبوية والمحافظة لترامب، بأنّ انتقامه يصل الى حدود أوسع من تصوّراتهم، فهو يريد القول إنّ ادراته ستطيح بأي أثر لخصومه، حتى في المناصب التي كانت تُعدُّ محايدة أو فنية. وهو بذلك يتجاوز الأعراف والمؤسسات القضائية. وما طلبه من المحكمة العليا، التدخل في قضية كهذه إلا انعكاس لتحوّل غاية في الخطورة لجانب طريقة استخدام السلطة القضائية، فالمحكمة العليا نادراً ما تتدخل في مسائل إدارية داخلية تخص مؤسسات مستقلة مثل الاحتياطي الفيدرالي.
ويُظهر ترامب باستمرار، محاولاتهِ لتوسيع نفوذه عبر القضاء، خصوصًا في ظل هيمنة التيار المحافظ على المحكمة العليا، مما يثير تساؤلات حول استغلال النفوذ القضائي لأهداف سياسية. ومن جانب آخر فإنه يمهّد لصراع أوسع على السياسة الاقتصادية، فهذه الخطوة تتزامن مع محاولات ترامب التأثير في سياسة أسعار الفائدة والقرارات النقدية مستقبلاً، والتي سيكون لها أثر مباشر على الاقتصاد، التضخم، وأسواق المال قبل الانتخابات أو خلال بداية ولايته المحتملة الثانية. وترامب يسعى من كل ذلك إلى تسييس السياسة النقدية لتكون أداة ضمن حملته السياسية أو برنامج حكمه، وهو أمر يُعد خطًا أحمر في الاقتصاد السياسي الأمريكي.





