المواجهة بين القوة الصلبة والقوة الناعمة (الخشنة)




خديعة الانقسام:تروّج الماكينة الإيرانية لوجود صراعٍ حادّ بين “البراغماتيين”، بقيادة رئيس البرلمان قاليباف، و”المتشدّدين” في الحرس الثوري، بقيادة أحمد وحيدي. وهذا الإيحاء بوجود “تعدّد في مراكز القرار” يهدف إلى تضليل المفاوض الأمريكي، وجعله يطارد سراب “الطرف المعتدل” الذي لا يملك القرار الفعلي، ما يمنح طهران وقتًا إضافيًا لتطوير قدراتها الميدانية.

على المقلب الآخر، لا تزال الولايات المتحدة تستخدم ترسانتها التقليدية: التهديد العسكري المباشر، والحصار الاقتصادي الخانق، و”دبلوماسية التغريدات”. لكن الجديد في هذه الجولة هو التقرير الصادم الذي نشرته صحيفة “ديلي بيست”، والذي رسم صورةً مقلقةً لرئيسٍ يقترب من الثمانين.
انهيارات الثالثة فجراً:يشير التقرير إلى أن الرئيس ترامب يعيش حالةً من الاضطراب النفسي المتزايد؛ إذ تبدأ نوباته العصبية في ساعات الصباح الأولى، ناشرًا سيلًا من المنشورات التي تتراوح بين إعلان انتصارات، وتهديدات للبنية التحتية الإيرانية، وشتائم للإعلام الأمريكي، وتخبّطٍ بين خياري الحرب والتفاوض—وكلّها تعكس “رجلًا فقد السيطرة على توازنه الإدراكي“.
هذا الارتباك ليس مجرد شأن داخلي، بل هو جزء من “حرب السرديات”؛ فبينما يهاجم ترامب أعداءً متخيَّلين، تستغل طهران هذا التشتّت لتمرير أجندتها، مدركةً أن القيادة المهتزّة نفسيًا قد تتخذ قرارات انفعالية يسهل التنبؤ بها أو استدراجها.

يمكن تلخيص المشهد الحالي في عام 2026 على النحو الآتي:
أمريكا: تراهن على القوة الخشنة (الحصار والتهديد)، بقيادة رئيس يواجه ضغوطًا نفسيةً قصوى، ما يجعل التحركات الأمريكية تتسم بالعشوائية أحيانًا.
إيران:تراهن على الصبر الاستراتيجي وخداع الخصم عبر الإيحاء بوجود مراكز قوى متصارعة، ما يجعلها تبدو كأنها “أخطبوط” بلا رأسٍ واحد يمكن استهدافه.
في هذا الصراع والتيه، يجد الإعلام نفسه اليوم محصورًا في زاوية ضيّقة بين “تغريدات الفجر” الترامبية المنفعلة و”الصمت الإيراني” المُشفَّر، ليتحوّل من ناقلٍ للخبر إلى ضحيةٍ لصراع السرديات، ومرآةٍ تعكس الاضطراب النفسي والسياسي للطرفين.

إنها حالة من “التخدير السيكولوجي”؛ إذ يعيد الإعلام تدوير القلق عبر عناوين مثيرة تفتقر إلى العمق التحليلي، فيلهث خلف سرعة “الترند” على حساب دقة الموقف. هذا التناقض في البث لا يربك المشاهد فحسب، بل يتركه وحيدًا في مواجهة “تسونامي” من الأخبار المتناقضة التي لا تترك مجالًا للتفكير أو التقاط الأنفاس. إنها “إثارة قاتلة” تقتات على أعصاب الجمهور، الذي يكتشف أنها ليست سوى دخانٍ كثيف يحجب رؤية الهاوية التي يُساق إليها الجميع.





