العراقثقافة

تاريخ مكان وذاكرة مدينة: شارع الرشيد في رحلة نادرة

           تواطأ العراقيون والبغداديون منهم خاصة على وصف شارع الرشيد وسط العاصمة بأنه شريان بغداد ،فهو يمتد مسترخياً بجماليات أعمدته ، وعبق التاريخ المعاصر الذي تنبض به أمكنته وشواخصه، مطمئناً بجوار الضفة اليسرى لنهر دجلة، وفي أدق أمكنتها دلالة من أحياء عريقة ومؤسسات ومقاه وأسواق ومتاجر ومطاعم ومكتبات ومكاتب وعيادات، وصناعات، ومأثورات وسواها.

      ويضيف الباحث الإعلامي والمترجم العراقي المعروف سعدون الجنابي اسماً أو وصفاً بالأحرى لشارع الرشيد هو (الرئة الحضارية للمدينة). هذا الوصف يلخص دوافع اهتمام الجنابي بالشارع وأرشفة تلك المظاهر الحضارية ، وتوثيق تاريخها وسياقاتها في الحياة اليومية، والذاكرة المدينية ، وذلك في طبعة جديدة من كتابه (رحلة في ذاكرة شارع الرشيد) زادها عن الطبعة الأولى الصادرة عام 2019بملاحق ومعلومات وخرائط وصور نادرة، وهي بحق رحلة دقيقة الملاحظة ، مشفوعة بعمل الذاكرة اليقظة والملمة بتفاصيل أمكنة هذا الشارع الشعبية والرسمية ، الثقافية والخدمية بشتى أنواعها ، وما تمثله في ذاكرة العراقيين أيضاً لارتباطها بأعمق الدلالات.

           ومما يضيف للكتاب أهمية خاصة كون الجنابي ولد عام 1947 في محلة (المربَّعَّة) التي تعد واحدة من أبرز محال بغداد ، وشارع الرشيد بوجه خاص. والتي قضى فيها طفولته وصباه، ودرس مراحل التعليم الثلاث في الشارع نفسه. وتعرف على تفاصيل الشارع وشواخصه ومعالمه عن قرب، مازجاً قراءاته ومصادره بعنصر مهم هو درايته بجزئيات المكان وتاريخه ومشاهداته الشخصية ومذكراته على مدى أكثر من نصف قرن .

    وألمَّ بأمكنته المتنوعة المنتشرة على جانبي هذا الشارع الخالد الذي وصفه الجنابي في مقدمة كتابه بما يليق به في تاريخ العراق المعاصر وحاضرة بغداد أيضاً. فدوَّن في أول سطور مقدمته خلاصة ما رآه في هذا الشارع بالقول (إنه شهد أغلب الأحداث التي أسهمت في تأسيس دولة العراق في العصر الحديث) .فقد شهد الشارع مرحلة الاحتلال البريطاني في الحرب العالمية الأولى، والانتداب ، ثم قيام الحكم الملكي استقلال العراق. ففي هذا الشارع توجد المؤسسات الحكومية والوزارات والبرلمان ومقرات الصحف والبعثات الدبلوماسية ، فضلاً عن المدارس المميزة والمصارف والشركات التجارية ودور السينما ، وهو ملتقى أو مقر النخبة العراقية من سياسيين وكت اب وشعراء ومثقفين، كانت لهم مقاهيهم المعروفة، وثمة أماكن التسلية والترفيه، فضلاً عن سوق الكتب والوراقة الأشهر سوق السراي، وشارع المتنبي المتفرع من الرشيد والمحتشد بالمكتبات والمطابع ودور النشر.

     وفيه حتى اليوم المباني التي كانت الإدارة التركية تقيم فيها خلال الفترة العثمانية.

    ويمكنني القول مطمئناً بأن الكتاب ذاته تماهى مع تلك الروح الحضارية التي نسبها المؤلف للشارع. فقد قامت خطة تأليفه على رحلة مكتملة الأركان من حيث وجهتها الدقيقة والشاملة التي لم تَنسَ أو تغفل أصغر التفاصيل من تاريخ الشارع ومآلات شواهده، وما طرأ عليها من تغير أو اندثار أو تجديد.

    لقد أرَّخ الجنابي لشارع الرشيد منذ ظهوره للوجود ،كما يقول، في عام   

 1916 وما توالت عليه من تسميات حتى استقر بآسمه الحالي.   

      وتحتوي مواد الكتاب على معلومات اجتماعية ذات قيمة كبيرة تعكس فسيفساء المجتمع العراقي في هذا الشارع مثالاً على التسامح وانفتاح سكانه على ديانات بعضهم، وانحدارهم القومي المتنوع ،ولغاتهم، وعاداتهم. إنه تعايش فذ يجد تجسيده في دور العبادة الخاصة بالأديان المختلفة ، وفي العمل الاجتماعي والثقافي والتعليمي والرسمي أيضاً ،حيث التنوع الديني والتعدد القومي منعكس في الوظائف والإدارات، والمؤسسات الصحفية والثقافية والمهنية وسواها.

     يذكر الجنابي طلاباً زاملهم وجيراناً عايشهم من مختلف الديانات. وكان شارع الرشيد بخاصة، يضم أحياء عديدة مختلفة الأعراق. والجنابي يذكر أسماء من درس معه أو لعب ألعاب الطفولة والصبا. ويذكر مهن الآباء الذين يتعايشون جنباً إلى جنب .

       ولكي يوثق الجنابي لهذا الشارع الذي أسر قلوب العراقيين في مختلف الحقب السياسية وكذلك الزوار والسياح ، يأخذ القارئ في رحلة حقيقية تتقصى الشارع كله بدءاً من شماله حيث واحد من أبواب بغداد الشهيرة : باب المعظم، مروراً بالميدان ومقاهي النخبة والطلبة المعروفة والتي لا يزال بعضها قائماً حتى اليوم، وأشهر المساجد العريقة، والكنائس والمدارس ،ووزارة الدفاع بمبناها التقليدي، وسوق الصفارين والمتنبي .

      ويتوقف عند جسور بغداد التي تنزل منها المركبات والمشاة من جهة الكرخ إلى الرصافة عبر شارع الرشيد. وذلك هو الباب الأول من أبواب الكتاب الرئيسة الأربعة. فيما يتقصى الباب الثاني ما تكتمل به المحال من بعد ، امتداداً من ساحة المأمون التي يقوم فيها اليوم تمثال للشاعر معروف الرصافي حتى محلة رأس القرية التي تقترن في الذاكرة العراقية الم عاصرة بمحاولة اغتيال فاشلة لأول رئيس وزراء لجمهورية العراق عبد الكريم قاسم عام 1959 والباب الثالث مخصص لمعالم وتفاصيل المنطقة الممتدة من رأس القرية حتى محلة السنك ، والباب الرابع من السنك إلى اللقاء بالباب الشرقي عند نهاية جسر الجمهورية .

     إن القارئ سيتذكر مع مشاهدات الجنابي ومعلوماته الدقيقة والمفصلة كل معالم بغداد المهمة ،والتي يستذكر العراقيون بعضها بتحسر شديد، لأنها لم تعد قائمة مثل دور السينما والملاهي والمقاهي ، ومحلات بيع الكتب الأجنبية مثل مكنزي وأوروزدي باك ، ومحلات التسجيلات الموسيقية ،وأستوديوهات التصوير ،والمقاهي الفخمة .

     يتجدد في وعي القارئ ما تعنيه تلك الأمكنة وما شهدت من أحداث، وحيث ارتبطت بحياة كثير من مشاهير الأدباء والشعراء والصحفيين والسياسيين. ونكاد نتلمس مع خطوات ذاكرة الجنابي في كل سطر مشهدا أو مكاناً لا تغفله الذاكرة ونزداد فخراً بالدلالة الحضارية لهذا الشارع الذي صار أيقونة ثقافية واجتماعية وتاريخية.

     وأحسب أن ثمة أهمية كبيرة لكل هذه المعلومات والذكريات والوثائق والصور التي وفرها سعدون الجنابي بجهد مضن، وضمتها صفحات كتابه وتعقيباته وتعليقاته وشرحه ، ما يزيد من مكانة هذا الشارع الذي تزدان به العاصمة ويفخر به سكانها، وزائروها، الدارسون المعماريون والمهتمون بجماليات الأمكنة.

    إن العناية بذاكرة المكان وجمالياته ومعايشة البشر لتفاصيله ،لهي من علامات الوعي الحضاري وتنبيه الأجيال بما لهذه الأمكنة من أهمية في تشكيل الوعي والانتماء الوطني، وكذلك في ترسيخ الهوية ..تلك القضية التي نحن بأشد الحاجة لها ، لنأخذ مكاننا الإنساني على هذا الكوكب، لاسيما والكاتب سعدون الجنابي المنقّب في ذاكرة شارع الرشيد المقترن بمؤسسي المدينة تاريخياً، له من خصوصية الشهادة

والمعايشة المباشرة الكثير، وقام بتحرير الكتاب مدعوماً بالصور والوثائق ذات البعد التوثيقي الهام، لتظهر مدنا العربية بما يليق بها تاريخ اً وواقعاً ومستقبلاً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إشارة: جميع الصور المنشورة، نُقلت من أصل كتاب “ذاكرة شارع الرشيد”، وشروحات المؤلف على الصور.. والمقال نشرته مجلة “الشارقة” بعددها 108 لعدد شهر أكتوبر -تشرين الأول 2025.

مقالات ذات صلة