تحليل سياسي

تحليل سياسي لكاتب لم يشأ الكشف عن اسمه!

                     بقلم: كاتبه….

     ما يحدث في واشنطن ليس نزوة رئيس، بل لحظة إخراج لاستراتيجية عمرها قرنان. ذلكَ وَهْمُ “ترامب الظاهرة”:كثيرون  يفسّرون ما يجري اليوم في واشنطن على أنه نتيجة شخصية ترامب: رجل متهور، شعبوي، صِدامي، سينتهي أثره بانتهاء ولايته أو بخسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية في شهر نوفمبر 2026.

    هذا التفسير سطحي، عاطفي، لأنه يفترض أن الدولة الأمريكية تُدار بمزاج شخص، لا بمؤسسات، ولا بمشاريع استراتيجية متراكمة، بينما الحقيقة مختلفة تمامًا: ترامب ليس صانع المشروع… بل المنفّذ الذي جاء في الوقت المناسب.

    الدولة العميقة Deep states ليست خرافة… بل اسم آخر للاستمرارية!.

والولايات المتحدة ليست دولة رئاسية بالمعنى الساذج. أما الرئيس فهو لا  “يخترعُ” السياسات من فراغ، بل يُخرج من الأدراج ما راكمته: مراكز أبحاث، مؤسسات أمن قومي، وزارة الدفاع، لوبيّات اقتصادية، تيارات فكرية محافظة وقومية..

    كثير من هذه المشاريع عمرها عشرات السنين، لكنها كانت مؤجلة لعدم وجود شخصية قادرة على تحمّل كلفة الصِدام:   

   أولاً: ترامب لم يأتِ ليبدعأتى ليكسر المحرّمات ويقبل لعب دور “الرجل السيء”.

  ثانيًا: عودة (مبدأ مونرو)، لكن بصيغة القرن 21، فما نراه اليوم هو إحياء عملي لمبدأ مونرو: “الأمريكتان للأمريكيين”، لكن ليس كخطاب أكاديمي… بل كسياسة خشنة:

 • رفض التمدد الصيني في أمريكا اللاتينية

 • تشديد السيطرة على الهجرة

 • إعادة تعريف الحدود كمسألة أمن قومي

 • رفض التعددية الدولية عندما تهدد الهيمنة الأمريكية

    هذا المبدأ ليس قانونًا جديدًا، بل عقيدة عمرها أكثر من 200 سنة، جرى تعطيلها جزئيًا بعد الحرب الباردة، واليوم يعاد تفعيلها لأن ميزان القوة تغيّر.

   ثالثًا: الهجرة ليست قرار ترامب… بل ملف جاهز للتنفيذ. إيقاف الهجرة، تشديد الحدود، تقليص اللجوء، ليست “عنصرية ترامب” كما يُسوَّق.

هذه الملفات: مطروحة منذ عهد بوش، نوقشت في عهد أوباما. وكُتبت تقاريرها في مراكز أبحاث محافظة وليبرالية، لكن لم يكن هناك رئيس مستعد لدفع الثمن السياسي. ترامب فعل ما لم يجرؤ عليه غيره: لقد حوّل التوصيات إلى قرارات تنفيذية.

    رابعًا: لماذا ترامب بالذات؟. لأنه:  لا يهتم برأي الإعلام. لا يطمح لإرث أخلاقي. لا يخاف من الصدام. ومستعد ليكون “الشرّير”!.    

     إنّ الدولة العميقة لا تحب الرؤساء المثقفين تحب الرؤساء القابلين للاستخدام.

   خامسًا: بعد ترامب… المشروع مستمر. وأخطر خطأ تحليلي هو الاعتقاد أن خروج ترامب يعني نهاية المرحلة.

   الحقيقة: الجمهوريون القادمون لا يختلفون معه في الجوهر، بل كثير منهم أكثر تطرفًا وتنظيمًا، وما سيتغير هو الأسلوب… لا الاتجاه، فترامب فتح الباب، وكسر السقف، وجرّب الصدمة. والذين سيأتون بعده سيُديرون المشروع بهدوء أكبر، لا بتراجع.

    سادسًا: لماذا هذا مهم للعالم العربي؟. لآن أمريكا تعود إلى منطق النفوذ لا القيم. والأولوية ستكون للداخل، لا “نشر الديمقراطية”. والدول الضعيفة ستُترك للفوضى أو للتوازنات الإقليمية أو المناطق الاقتصادية، حتى لو كانت هناك مصالح مشتركة، واستيعابٌ للعلاقات.

     التحول استراتيجي، والتنفيذ بدأ، لعالم تحكمه المصالح، والاتفاقيات بعيداً عن الشعارات، والصراخ، والمشاريع، الفاشلة، وتكرار الأخطاء نفسها.

مقالات ذات صلة