منتدى دافوس..دقَّ “المسمار الأخير” في نعش سياسة “استرضاء” ترامب


“برقية” تقرير مترجم:
يبدو أن «حرب انضمام غرينلاند» قد انتهت قبل أن تبدأ، إذ يُفترض أن رئيس الولايات المتحدة تفاوض على صفقة بشأن مستقبل الجزيرة مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، صفقةٌ:
أ- لا يستطيع أحد وصفها بأي تفاصيل،
ب- لا يملك أيٌّ منهما تفويضًا للتفاوض بشأنها،
ج- ويبدو أنها لا تعدو كونها تصديقًا على الوضع القائم.
ومع ذلك، فإن الأسابيع القليلة الماضية لم تذهب سدى تمامًا. فقد أنهت، على الأرجح، مصداقية حلف الناتو بوصفه تحالفًا عسكريًا فاعلًا. وأظهرت، بدرجة ينبغي أن تقنع حتى آخر المشككين، أن دونالد ترامب قد فقد صوابه تمامًا. كما دقّت المسمار الأخير في نعش سياسة استرضائه. فلن تكون هناك بعد الآن محاولات لمجاملته أو رشوته أو ملاطفته بالكلام. لقد انتهى حلفاء أميركا من التعامل مع ترامب — وإلى حدٍّ ما، من التعامل مع أميركا نفسها.
ومن هنا جاءت ردود الفعل الاستثنائية على خطاب رئيس الوزراء في دافوس. صحيح أنه نال مديحًا مبالغًا فيه إلى حد بعيد. فبلاغته ليست لافتة، وأفكاره ليست متقدة على نحو خاص. أما توصيته الأساسية — أن تقلل القوى المتوسطة من انكشافها على القوى العظمى عبر زيادة التبادل التجاري فيما بينها — فهي في جوهرها إعادة تسخين لفكرة «نقل سلاسل التوريد إلى الأصدقاء» (friendshoring)

إن تأثير هذا الخطاب لا ينبع من جرأته أو وضوحه فحسب، بل وربما قبل كل شيء من توقيته. فلو أن مارك كارني ألقى الخطاب نفسه قبل ستة أشهر فقط، لكان رد فعل قادة العالم الآخرين على الأرجح متعبًا من نوع: «نعم، أنت محق، ولكن…». أما في توقيته الحالي، فقد انفجر بقوة تعادل نصف طن من مادة الجلجنيت (نوع من المتفجرات الشديدة، اخترعه نوبل). لقد بلور السيد كارني المزاج التمردي السائد في القاعة، ومنحه معنى واتجاهًا وأملًا.
الاستعارة المركزية في الخطاب، وهي الحكاية الشهيرة لفاتسلاف هافل عن صاحب متجر في دولة شيوعية يعلّق في واجهة متجره لافتة تردد شعار النظام رغم أنه لا يؤمن به، تبدو للوهلة الأولى غير ملائمة. فمغزى القصة كان أن استعداد صاحب المتجر، وغيرِه من أمثاله، لترديد شيء يعلم الجميع أنه غير صحيح — أي «العيش داخل الكذبة» على حد تعبير هافل — هو ما كان يُبقي النظام قائمًا فعلًا.
وبالمثل، يصف السيد كارني «النظام الدولي القائم على القواعد» الذي ساد خلال العقود الماضية بأنه كان إلى حد ما «خيالًا لطيفًا»، تظاهرت الدول الغنية بالإيمان به طالما بدا أنه يحقق لها الفوائد، لكن علينا الآن الاعتراف بأنه انتهى إلى الأبد. وقد حان الوقت، كما يقول، لأن «تنزع هذه الدول لافتاتها».
غير أن هذا النظام لم يكن نظامًا شموليًا؛ بل كان رابطة طوعية بين الدول — رابطة نجحت عمومًا. وإذا كنا نشهد بالفعل انهياره، فليس لأن الدول الخاضعة له اكتشفت فجأة إرادة جماعية لمقاومته، بل لأن القوة العظمى الأكثر مسؤولية عن إنجاحه، أي الولايات المتحدة، قررت فجأة وبإرادة واعية أن ترميه في سلة المهملات.
لا بأس. أظن أن السيد كارني صاغ الأمر على هذا النحو في البداية كغطاء لتلطيف رسالته الحقيقية، وهي دعوة للدول التي مكّنت، عبر خضوعها لإملاءات القوى الكبرى، تفكيك هذا النظام، في الوقت الذي تتباكى فيه علنًا على عودته، إلى أن تُنزل لافتاتها هي الأخرى.

قال السيد كارني إنه لا يمكن العودة إلى النظام الدولي القائم على القواعد، لأن الافتراض الجوهري الذي قام عليه — وجود قوة داعمة حميدة نسبيًا متمثلة في الولايات المتحدة — لم يعد قائمًا. فالاندماج التجاري العميق الذي كان ممكنًا في ظل ذلك النظام تحوّل من قوة عامة للخير إلى أداة من أدوات الإمبريالية.
لقد باتت القوى الكبرى تستخدم الرسوم الجمركية، وهشاشة سلاسل الإمداد، والاستثمار كأسلحة ضد شركائها التجاريين. وقد قادت روسيا والصين هذا التوجه، ثم لحقت بهما الولايات المتحدة.
إن الاستمرار في السعي إلى الاندماج مع ما يسميه السيد كارني بأدب «الهيمنة» ليس سوى دعوة مفتوحة للتلاعب والاستغلال. ويقول: «لا يمكنك أن تعيش داخل كذبة المنفعة المتبادلة عبر الاندماج، عندما يصبح الاندماج مصدرًا لخضوعك».

الخبر الجيد هو أن قبضة القوى العظمى يمكن كسرها. فالهيمنات، كما يقول كارني، «لا تستطيع تسييل علاقاتها إلى ما لا نهاية».
فما البديل؟ يقول كارني إن الإغراء هو تقليص مواطن الضعف عبر الانكفاء داخل الحدود وإغلاق الأبواب أمام التجارة عمومًا. لكن الجواب الحقيقي هو توسيع التجارة مع الدول المتشابهة في التفكير: «تحالفات عملية، تعمل قضيةً بقضية، مع شركاء يشتركون في قدر كافٍ من الأرضية المشتركة للعمل معًا». أي شبكة من أنظمة قائمة على القواعد، لا تقوم على الخضوع لهيمنة بعينها، بل على القيم المشتركة والمنفعة المتبادلة.
رأي: في دافوس، تشرق لعبة كبرى جديدة للعالم. أي طريق ستسلكه كندا؟؟ إنه طرح جريء من زعيم دولة يعتمد 75% من صادراتها على الولايات المتحدة، وربما يفسر ذلك أيضًا قوة تأثيره.
وبدلًا من فرض الخضوع للهيمنة الأميركية، تدفع رسوم ترامب الجمركية الدول الأخرى إلى الالتفاف حولها تجاريًا. فقد وقّع الاتحاد الأوروبي مؤخرًا اتفاقية تجارة حرة مع مجموعة ميركوسور في أميركا الجنوبية، ويجري العمل على صفقة كبرى أخرى بين الاتحاد الأوروبي واتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ.

ومن الدروس المستفادة هنا أهمية الشرعية. فقد كانت القوى المتوسطة مستعدة للتعاون في ظل «السلام الأميركي» طالما نُظر إلى الولايات المتحدة على أنها قوة للخير — ليس دائمًا ولا بشكل كامل، ولكن في المجمل. غير أن المصلحة الذاتية الضيقة والعدوان السافر لنظام ترامب دمّرا هذه الشرعية. ومن دونها، ومن دون المشاركة الطوعية لبقية القوى، تخاطر الولايات المتحدة بأن تتحول إلى نمر من ورق.
والدرس الآخر هو أهمية العمل الجماعي. فكل تاريخ صعود ترامب يتمثل في قدرته على استغلال الانقسامات — داخل الولايات المتحدة وبين الدول — عبر لعب طرف ضد آخر: فرّق تسُد.
ربما تكون تلك الحقبة قد شارفت على نهايتها. فصدمة تهديد ترامب بغزو غرينلاند يبدو أنها أيقظت أوروبا أخيرًا من أوهامها. فقد وقف القادة الأوروبيون صفًا واحدًا في مواجهة ترامب، وفي النهاية تراجع.
لكن هذا لا يعني أن التهديد قد زال. فمزاج ترامب متقلب، ووعوده بلا قيمة. قد تعود قضية غرينلاند خلال شهر، أو قد تظهر تهديدات أخرى — بل من شبه المؤكد أنها ستظهر. فلا يزال هناك رجل متهور في البيت الأبيض، من غير المرجح أن يكون قد تعلم أي درس من هذه الحلقة، ولا تحكمه أي مبادئ سوى تعظيم ذاته.





