(16) نقش في الحجر: حلمي وحلم كلارا في (كسارة البندق)..



غرفة معيشة وشجرة ميلاد يتضاعف حجمها مع تزايد الهدايا والألعاب وكل موجودات المكان الذي يكتسي بالثلج والجليد، و”يُطَعَّمَ” بشوكولاتة لذيذة، وبرقصات وفالسات وموسيقى ساحرة يعدها النقاد العامل الأهم في نجاح باليهٍ باتت مشاهدته تقليداً سنوياً لدى الآلاف في مدينتي “فانكوفر” ومدن كثيرة من المعمورة، يتزامن عرضه مع موسم الميلاد البارد الطويل.
حكايةٌ خيالية عجائبية صُنِعَتْ للصغار، لكن الكبار ينافسونهم في الاستمتاع باحداثٍ ناقشتُها مع إيمي زوجة ولدي نصري وشقيقتها إثر انتهاء العرض، لعملٍ أثيرٍ كتبه الألماني ارنست هوفمان وترجمه الى الفرنسية الكسندر دوماس الكبير. عُرِضَ للمرة الأولى في العام 1892 بمدينة سان بطرسبرغ الروسية، ولم يحظ وقتها باهتمام جماهيري واسع، فخضع لمراجعات وتغييرات ونسخٍ مجَدَّدة استمرت حتى قرننا الحالي، لكن بداية تألقه الحقيقي كانت في الستينيات، وهو العقد الذي حالفني الحظ أنْ أكون في نهايات آخر عام منه موجوداً في أوروبا!!

كان اسم المدينة لينينغراد، عندما زرتها في زمن الاتحاد السوفيتي، واُدْخِلَ مسرح البولشوي العريق هناك في منهاج حافل نُظِّمَ ضمن حدث إعلامي وثقافي كبير لمناسبة قرب حلول الذكرى المئوية لميلاد لينين (نيسان 1870_كانون الثاني 1924) شَهدتْ بعض فصوله العاصمة موسكو أيضا. وأذكر أنّ سياحاً أميركيين حاولوا مشاكستي مازحين أثناء الاستراحة القصيرة، معتبرين اي مشارك لا بُدّ وأنْ يكون ماركسياً-لينينياً، وعندما عرفوا جنسيتي قالوا: أوه.. أنت من بلد اشتراكي اذن!

كان بصحبتي زملاء صحفيون من العالم الثالث، أتينا من برلين الشرقية حيث نتدرب في كلية التضامن الدولية، ونتعلم ونَطَّلِع أيضا. وفيها شاهدتُ أول عرض باليه ارتبط بِمَقلبٍ لن انساه ما حييت. فما إنْ مرت دقائق على جلوسي، حتى جاءت شقراء جميلة تدعي أنني أخذت مكانها مبرزةً تذكرة تحمل الرقم ذاته، فانبريتُ على الفور لإثبات العكس، لكن الدليل(فصّ ملح وذاب!)،كان قد اختفى تماماً رغم تفتيشي السريع المرتبك..

كيف حصل ذلك؟ ومن الذي سأناقش معه الإشكال والخجل يعتريني، لأنّ موعد العرض صار وشيكا، وأي كلام بات ممنوعاً مهما كان السبب؟ عندها، سلمت أموري لقدر مكتوب، ورحت مطأطأ الرأس لمتابعة العرض من الصف الأخير رغم أنّ ممثل عمادة الكلية أكد أنهم ابتاعوا وبشكل جماعي تلك التذاكر وبضمنها تذكرتي اللعينة التي لم أعثر عليها الا بعد وصولي الى الكلية، ملتصقة بجدار أحد جيوب طقمي الأنيق الجميل!!
لا يحصل هذا إلّا مع (“الهير” السيد”غياد شابا كلاّ”).. يقولون ذلك ويضحكون. ألمان ودودون، طيبون، جادّون، خرجوا من ركام الحرب الى حياة يبنونها بثقة تبهر العقول والأبصار وبروح أوروبية معاصرة. (اشتراكية بتنورة قصيرة) كما وصفها الصحفي الكبير الراحل عبد الله خياط بعد زيارة قصيرة له إلى (المانيا الديموقراطية) سَبقتْ ذهابي الى هناك بنحو عام. كان ذلك عندما كنت صحفياً يافعاً وتلميذاً يحاول أنْ يتعلم منه الكثير في (المنار) الأسبوعي لعبد العزيز بركات.

وبعد أنْ أصبحتُ بينهم في ألمانيا الشرقية ربيع 1969وعشت مدة تفوق فترة زيارته بأضعاف، وجدته محقاً في جوانب عدة، لكن عيون الناس تظل على الغرب أبداً رغم كل نهضتهم تلك، وخصوصا الشباب الذين لا يستوعبون جيداً تضحيات الآباء والأجداد التي قدموها من أجل غدٍ يعيشونه اليوم.
أندمجتُ أنا مع حياتهم تدريجاً. صرتُ في كل عطلة نهاية أسبوع أستقل قطارين كي أعرف طريقي للقاء تلك الطفلة الصغيرة ذات الأعوام الأربعة التي تشاهدونها معي في الصورة جالسَين على مقعد خشبي في بارك قريب من بيتها في حي “ليجتنبرج” ببرلين، غير متوقع أنني أمام إحدى (باليرينات المستقبل).. عراقية تعشق الفن وتكرّس بقية حياتها له، تعمل الآن بتدريس المسرح والارتجال تحديداً، حصيلة ما منحته إيّاها تجارب العمر. إبنة خالي (نرمين) التي ستلتحق وأمها برب الأسرة الدكتور جميل بوداغ الأستاذ في كلية الزراعة بجامعة بغداد، ومن بيتها ستذهب كل يوم الى مدرسة الموسيقى والباليه التي دخلتها في العام 1973 حتى تخرجها في 1982، وأما المشوار التالي من أحلام العمر، فستكملهُ بعيداً عن الوطن.. فهكذا حال الطيور المهاجرة أبداً.

بغداد ..بعد برلين وموسكو ولينينغراد
ألمْ أخبركم بأنّ حالتي تختلف عما مرت به كلارا مع أحداث شاهدتها على المسرح؟ فما إنْ تفيق مع دقات ساعة الصباح، حتى تكتشف أنّ ما عاشته لم يكن إلّا حلماً جميلاً انتهى؟ حبيبها رجع الى أصله، مجرد دمية “كسارة بندق”، وقاربهما المسحور اختفى مع بقية التفاصيل؟
لكن الأمر بالنسبة لي لم يكن كذلك، فشريط الذكريات والأحلام العتيقة تعيدني الى عروض تلفزيونية كان يقدمها طلبة مدرسة مدام لينا للباليه الاهليَّة التي أسِّسَّت في العام 1953 ببغداد، حاملة اسم امراة عَرفتُ فيما بعد أنها يونانية. ثم “مدرسة الباليه العراقية” لمؤسستها لمعان البكري في 1969، دُمجتْ مع “مدرسة الاطفال الموسيقية” التي أسسها عزيز علي في 1968، كي تولد (مدرسة الموسيقى والباليه) العراقية الرسمية، الأولى من نوعها في البلاد في زمن مشهود تتجدد ذكرياته في الأعماق مثل أغصان تورق في الربيع، واكبتُ خلاله “بعد انقضاء زمالتي في برلين” محطات التأسيس في العام 1970 وأغلب المدرسين كانوا من مسرح البولشوي العريق.

نشرتُ تحقيقاً مطولاً عن ميلاد المدرسة – الحدث في جريدة (النور) البغدادية في الربع الأول من العام 1970 “على الأرجح” بصفحة مصورة كاملة مع تتمة! ووضعوا اسمي مع التتمات! لو أنني كتبتُ ذلك التحقيق اليوم لرفضتُ.. واختصرتُ أيضا!! راجَعَهُ من بعدي الأستاذ عزيز سباهي أحد كبار محرري الجريدة، عقب أمسية لا تُنسى رافقني خلالها المصور الراحل مجيد الخالدي لتغطية أول عرض قدمه طلاب المدرسة (عازفون وعارضون) من الذين التحقوا بها وهم في الصفوف المتقدمة.
أجريتُ يومها مقابلة مع السيدة لمعان البكري التي كانت تشرف على المشروع، وصارت أول مديرة للمدرسة أيضاً. خلتُها تحلِّق عالياً من فرط سعادة تشع من بريق عينيها وضحكاتها، مثلما يفعل طلبتها في أماكن التدريب أو على المسرح. كانت تكلمني عن خطوة، بل حلم جميل يتحقق في عراق بدا يفتح ذراعيه لعالم خارجي يستجيب له في سبعينات واعدة، بهدف تقديم فن عالمي راقٍ يحظى بالاحترام، يخاطب الوجدان والعقول ولا يثير المشاعر أو يستفزها. ثم التقيتها مرات عدة متابعاً دائماً لنشاة هذا الوليد الجديد، لكننا افترقنا بعد ذاك لمدة طويلة تزيد عن الخمسة عشر عاماً، حتى كان شتاء 1986 لأراها في لندن ونستذكر تلك الأيام السعيدة، متوترَين، خائفَين، قلقَين بسبب استمرار حرب الثماني، وهي تدخل عاماً جديداً سيعيدنا الى الوراء بلا ريب!

لا تحضرني الآن تفاصيل منهاج الحفلة الأولى للمدرسة، لكنني حضرت بعض التمارين والتقيت بالمدرسين والمدربين ومعظمهم أجانب، ومن بينهم أجنس بشير زوجة فكري شقيق منير بشير مدير عام دائرة الفنون الموسيقية والمستشار الفني لوزارة الثقافة والاعلام الذي التقيه بكثرة ويكلمني بحماسة هادئة واثقة كل مرة، عن مسيرة يقودها لأعمال ومشاريع مهمة مثل مهرجان بابل الدولي، وهو الحدث الكبير الحاضر في إرث العراق الموسيقي المنفتح على فنون الدنيا، وإشرافه على مؤسسات وفرق عاشت زمنا مشهوداً بِالرُقِيّ والثراء والتنوع، وفي المقدمة منها الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية، الصرح الموسيقي الذي تحظى عروضه اليوم بإقبال كبير يملأ الصالات غالباً، تماما مثلما اعتدتُ مشاهدته والكتابة عنه لسنوات امتدت حتى الثمانينات رغم الحرب وتداعياتها وأجوائها التي لم تنل من حرصي على متابعة مشوار الصرح الحضاري الثقافي الآخر، مدرسة الموسيقى والباليه والمحطات التي حلَّقَت فيها بزهو يشبه كبرياء البجع وألفة الحمام ورقة الفراشة.

حضرتُ حفلات تخرج المدرسة وشاهدتُ بعضها في قاعة الخلد ثم في مسارح بغدادية أخرى بعد أنْ أصبحت مواقع عدة من العاصمة ضمن المناطق المحظورة. تعاقبَ على إدارتها عديدون، وأتذكر مقابلة مع الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد الذي كان أحدهم، والأستاذة ناجحة نايف التي تولت إدارة المهمة في مراحل لاحقة بروح عالية من الجدية والمسؤولية. واطلعتُ مؤخراً على كلام مؤرشفٍ لها عن حديث لصحيفة (الشرق الاوسط) يمنحني تفاؤلاً بالمستقبل رغم ظروف البلاد المعروفة اليوم، حيث الخريجون من حاصلي الدبلوم يصبحون عازفين في الفرقة السيمفونية أو معلمين في مدرسةٍ أشعر بالفخر كلما قرأت اسماً لعازف فيها أو لواحدة من “فراشاتٍ” عاصرتُ نموها وتحليقها سواء كانوا أولاداً أو بناتٍ.. فكيف لا أزهو بالباليرينا نرمين وهي تُذَكِّرنيٌ بصفحات “كفاح” من طراز خاص خاضته مع زملائها وزميلاتها؟.

نرمين، تحيلني أيضاً الى ذات نهار تسعيني قائظ اختلطت فيه الدموع بالعرق. يوم من أيام أربعة عشر عاماً ثقيلة كلمتكم عنها في مناسبات سابقة تفرغتُ خلالها لإدارة محل رياضي في سوق الآثوريين بالدورة، متحسراً على عالم الصحافة الذي عشقته منذ الصبا وتركته مكرها.
كنت محمَّلاً بكيس كرات وآخر من الحقائب، لم يمنعاني من التقاط نسخة قديمة من جريدة “الثورة” طالها الاصفرار والشحوب، وجدتها مركونة مع صحف قديمة عند بائع صادفته على الرصيف أمام المتحف البغدادي، دفعت الثمن بلهفةِ من عثر على كنز نفيس، وعلى صفحتها الاخيرة قرات عنوان (فراشات الباليه.. بامضاء رياض شابا)!
ألم أقل لكم أنّ حلمي يختلف عن حلم كلارا؟!





