تحليل سياسي

ما (البديل) الحقيقي؟

مثّلت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في العراق ( 2025) لحظة كاشفة لمستوى التراجع الذي أصاب القوى المدنية والوطنية والديمقراطية واليسارية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي. هذا التراجع لم يكن حدثاً ظرفياً بل خلاصـة لأزمة بنيوية، وهيكيلية وتنظيمية تراكمت عبر سنوات عديدة، تتطلب الآن إصلاحاً جذرياً في الفكر والتنظيم والمنهج وأساليب العمل والأدوات، وهي عوامل داخلية تخصّ هذه القوى، بيد أن أسباب الفشل تعود إلى أخرى خارجية تتعلق بطبيعة النظام السياسي نفسه، والتدخلات العربية والإقليمية والدولية فيه. وبينما تبدو الصورة قاتمة، فإن النجاح المستقبلي مرهون بقدرة هذه القوى على تبني المشروع (البديل) الحقيقي لتجاوز أسباب الفشل.

       دخلت القوى المدنية واليسار العراقي الانتخابات في منافسة شديدة محكومة سلفاً لصالح الكيانات المتنفذة الكبيرة، وفي بيئة تميل كفّتها لصالح قوى السلطة المتنفذة، التي تمتلك المال الفاسد والسلاح، ولديها القدرة على صياغة قوانين الانتخابات وإدارتها، ومفوضيتها على وفق مقاساتها. ضمن ظروف كهذه تصبح المشاركة فيها خياراً تكتيكياً غير مدروس في أجواء فاسدة تستخدم فيها الموارد الضخمةلشراء الأصوات وتمويل حملات إعلامية ضخمة لصالحها.

    في الواقع، إنّ أسباباً عديدة موضوعية جعلت من المشاركة موضع شك، نجمل بعضها:

ـ شرعنة الانتخابات على وفق أسس خاطئة، بدءاً بقانون الانتخابات، ونظام التصويت، والمفوضية المنحازة غير المستقلة، الخاضعة لإرادة القوى المتنفذة، توجهها حسب ما يخدم مصالح تلك القوى، فضلاً عن تعطيل مقصود يحول دون تشريع قانون الأحزاب.

ـ ارباك الجمهور وإيصال رسائل متناقضة بالمشاركة أو عدمها، بعد أن كان الاتجاه العام نحو المقاطعة. ورفض النظام الانتخابي.

ـ إعادة تدوير الخطأ ذاته في تحالفات فاشلة تفتقر إلى الرؤية السياسية الناضجة.

ـ امتلاك القوى السياسية المتنفذة فصائل مسلّحة، خلقَ معادلة ترهيب غير معلنة، جعلت التنافس السياسي أقرب إلى موازين القوة منه إلى الإرادة الشعبي، فألقى بظلاله على المناخ الانتخابي، وأضعف ثقة المواطن بجدوى البديل المدني.

ـ انتشار الرشوة الانتخابية بوصفها ممارسة اجتماعية مبرّرة لدى فئات واسعة، ما أفقد العملية قيمتها الديمقراطية وأضعف تأثير القوى التي تعتمد على الإقناع لا الأموال.

ـ قانون الانتخابات بصيغته الحالية،صُمّم عملياً لصالح القوى المتنفذة، وأقصى الأحزاب ذات التاريخ الوطني والقوى والجماعات المدنية والديمقراطية والمستقلة.

ـ نظام المحاصصة في العراق محكوم بتجاذبات إقليمية ودولية، ما يمنح القوى المرتبطة به نفوذاً غير متكافئ، بينما تدفع القوى المدنية ثمن نهجها الوطني واستقلاليتها.

ـ تفوق الانتماء والولاء العشائري على الهوية الوطنية الجامعة، لقد دمرت الديكتاتورية المجتمع المدني، وخرّبت فكرة الدولة، وجعلت من الشخصية العراقية كياناً مسحوق الهوية، ومَحَت عناصر تكونه التاريخي، فكانت النتيجة خراب هذه الشخصية، وسحق إرادتها الحرة، وتهشيم روابطها الثقافية. ووجدت السلطة القائمة بعد 2003 ظروفاً مناسبة جداً لإكمال (مهمات التخريب) في ظل نظام مشوّه قائم على امتهان الحقوق والدستور ومصادرة الحريات. وهي الحصيلة التي تشير إلى الخطر الكامن في التدمير المجتمعي.

ـ تراجع الوعي السياسي، وانعدام الثقة بالانتخابات، دفع شريحة واسعة من الشباب إلى مقاطعتها، وهي الشريحة التي تُعد خزّاناً طبيعياً للقوى المدنية واليسارية. وهناك جمهور واسع من فئات مختلفة يشكّلون الأغلبية في مجموع الناخبين امتنعوا عن المشاركة، ومن بين هؤلاء أصدقاء الحزب وربما أعضاؤه.

كما أن أسباب التراجع تعود لأزمات ذاتية تراكمت عبر السنوات. عانى منها الحزب الشيوعي، والقوى الديمقراطية والوطنية الأخرى، نشير إلى الأساسية فيها:

ـ تناقص أعداد الشباب والطلبة والنساء، هذه الفئات كانت في فترات معينة رافعة أساسية للحزب، انحسر وجودها لضعف الخطاب الموجّه لهذه الفئات. مع غياب المشاريع التنظيمية التي تستوعب طاقاتهم وانعدام الجاذبية التنظيمية مقارنة بحركات أكثر حيوية، استطاعت كسب الشباب بوسائل مختلفة ومتعددة. وعلينا أن ندرك حقيقة مطالب هذه الفئات المتمثلة بتوفير فرص العمل، فلم تعد الأفكار تشكل مصدر إغواء لهذا الجيل من الشباب، إنه يفكر في استثمار اللحظة الراهنة، جيل عملي، براغماتي، غير حالم بعالم تسوده العدالة الاجتماعية، أو الاشتراكية!

  ـ يواجه الحزب الشيوعي العراقي قصوراً أو ضعفاً في التجديد القيادي، وتراجعاً في العمل الميداني في المدن والأحياء الشعبية، ان طبيعة هذا العمل يعتمد بالأساس على قيادات التنظيم المحلي، وعلى الأغلب، لم تتجدد هذه القيادات، بل تناقصت أعدادها بسبب تقدم العمر، أوأمراض الشيخوخة.في ظل هذه الظروف الصعبة،أصبح من المتعذر على هذه القيادات أن تتحمل أعباء العمل السياسي والتنظيمي، ومتطلباته التي تقتضي الصلة الدائمة بالناس.بل هي عاجزة عن تحقيق هذا الغرض، الذي يفترض أن تتصدى له عناصر شبابية تمتلك المرونة في الحركة والتفكير، والقدرة على الاستجابة السريعة للأحداث.كما أن أسلوب العمل ذاته، أصبح تقليدياً وروتينياً لم يشهد أية حالات تجديد بما يتوافق مع متغيرات العصر.

ـ ثمةأزمة أخرى تتمثل في إعلام الحزب، وهي إحدى أخطر الأزمات اليوم، لأنها مرتبطة بالمجتمع الجديد، في زمن السرعة، وبجيل مشدود إلى الشاشات لا إلى الصحف والنشرات الورقية المحدودة التوزيع، الإعلام لم يعد واجهة للحزب، بل أصبح الفاعل المحرّك في المجتمع، ومن دون إعلام رقمي عصري لا يمكن لأية قوة سياسية أن تبقى مؤثرة مهما امتلكت من تاريخ أو إرث نضالي.

     لغة الخطابات القديمة والتقليدية لم تعد لغة جذابة ومقنعة لجيل يعيش بالتطبيقات المختصرة والسريعة. باعتقادي أن الحزب لا توجد لديه خطة واضحة في الإعلام: لمن يتحدث؟ أية منصات؟ أية أدوات؟ ما الرسائل والخطابات؟ ما الفئات المستهدفة؟

    هناك تطبيقات مؤثرة أصبحت ساحات سياسية مفتوحة، بتقديري أن الحزب يكاد يكون غائباً عنها.

    إني لأتساءل: أيهما الأهم في أولويات أهداف الحزب، بناء مقر له في ظروف مالية صعبة، أم الأهم إنشاء مركز إعلامي رقميمهمته: إنتاج محتوى يومي، تحليل التفاعل، إنتاج فديوهات قصيرة، إدارة النشاطات، قياس الرأي العام بفريق شاب، لا بالأساليب القديمة، يعالج قضايا السكن، الفساد في مؤسسات الدولة، البطالة، الهجرة، التعليم، الصحة، حقوق المرأة، الخدمات؟ أو تأسيس منبر إعلامي إذاعي أو قناة فضائية، تمنح العمل مساحة أكبر للتفاعل مع الجمهور بشكل مباشر، في الحوار، والخطاب السياسي.والتواصل السريع. بلا شك ان هذا التساؤل سيثير جدلاً حول جدوى الفعاليات التي أشرت.

  شهد المسار الطويل للحزب أخطاءً عديدة أثّرت على وحدته وتماسكه. لسنا هنا بصدد العودة إلى الماضي، بيد أن الضرورة تقتضي الرجوع إلى الفترة التي أعقبت انهيار النظام السوفيتي ودول ما تعرف بـ (المعسكر الاشتراكي). لقد وجدت الأحزاب الشيوعية نفسها أمام أكبر زلزال فكري وتنظيمي في تاريخها، كثير منها فشل في استيعاب الصدمة، وبعضها استطاع إعادة إنتاج نفسه، وقلّة فقط تحولت إلى قوى سياسية مؤثرة في بلدانها. ماذا كان ينبغي على الأحزاب الشيوعية أن تفعل؟ ومنها الحزب الشيوعي العراقي.

 أعتقد أن الخطوات تبدأ من المراجعة الفكرية الشجاعة من دون تقديس للماضي، ومرجعياته الفاشلة، هذه المراجعة كانت ستمنح الحزب القدرة على التجدد بدل الانكماش، وإعادة الثقة لجماهيره. كان ينبغي تطوير الخطاب السياسي لفهم العالم الجديد، بلغة تستجيب لمتطلبات العصر الجديدة، بتغيير أساليب العمل، وأدواته، ونمط التفكير. ليس من السهل قبول هذه الأفكار بسرعة، بيد أن تمسك الأحزاب بخطابها الأيدولوجي الماضي سيفقد صلتها بالأجيال الجديدة، وهي أحدى العقد المستعصية في عقول البعض.

      تأتي مشاركتنا هنا ضمن المحاولات الإيجابية التي أكدت ضرورة مراجعة التجربة خلال عقدين من الزمن على الأقل، نعني بها تحديداً فترة العمل العلني للحزب بعد انهيار النظام في 2003، وهي فترة ليست قليلة، لكنها شهدت حضوراً واسعاً للحزب، ووجوداً قوياً في النقابات والاتحادات والمنظمات ورصيداً جماهيرياً تحسبُ له القوى المضادة ألف حساب، بينما تصاعد في الجانب المقابل الخطاب الديني ـ الطائفي التعبوي الذي تبناه التيار الإسلامي السياسي فور سقوط الديكتاتورية، بموازاته، تصاعد العنف والإرهاب، بينما بدأ اليسار يخسر مساحة تأثيره تدريجياً في ظل الرعب اليومي.وخسارة قاعدة جماهيرية واسعة كانت جاهزة للالتفاف حوله في السنوات الأولى.

       وبذلك وجد الحزب نفسه في مواجهة مشهد سياسي جديد بالكامل، تهيمن عليه وتتحكم فيه قوى ذات نفوذ مالي وحكومي ومدعومة بالسلاح.تراجع فيها دور الحزب الجماهيري والسياسي. واضطر لعقد تحالفات انتخابية لم تكن مبنية على أسس برنامجية واضحة، ومما زاد في مساحة الالتباس لدى الجمهور هو الموقف المرتبك من الانتخابات: المشاركة في دورة انتخابية تارةً، والمقاطعة في دورة ثانية تارةً أخرى، الانسحاب أم البقاء؟لم يقتصر التراجع في نتائج الانتخابات فحسب، بل شمل الأداء غير الموفقلممثلي الحزب في المنظمات والاتحادات النقابية والمهنية، على صعيد اختيار الممثلين أولاً، أم في إدارة هذا الملف ثانياً. إنه من المؤسف حقاً أن يخسر الحزب موقعه في هذه المنظمات للأسباب التي أشرنا.

    بينما شهد التيار الديمقراطي ـ الذي يسهم فيه الحزب الشيوعي مساهمة كبيرة فاعلة في القيادة والأداء ـ هو الآخر ظل حضوره ضعيفاً، وانتهى إلى تراجع واضح في التأثير والتمثيل، ظل التيار نخبوياً، من دون قدرة على بناء قواعد وهياكل تنظيمية فاعلة. خلال عقدين من الزمن لم يقدم برنامج عمل واضح الرؤى، إنما ما يصدر عنه مجرد خطابات وبيانات إنشائية بلا أثر، تكرر ذات الصياغات والعبارات. العديد من وجوه التيار القيادية لم تعد قادرة على إنتاج مبادرة واحدة فاعلة تحظى باهتمام فئات واسعة من الشباب والطلبة أو النساء والشغيلة.

          أستطيع القول:إن التيار الديمقراطي فكرة نبيلة، لكنها محتجزة في أجساد متعبة. تحول إلى نادٍ مغلق، يديره مجموعة من (الشيوخ) مضى على وجود البعض منهم أكثر من عشرين عاماً تقاسموا فيها نتائج الفشل، ومع ذلك تتمسك بمواقعها كأنها إرث شخصي لها. التيار بلا مشروع سياسي، بلا خطاب واضح، لا حضور في الشارع، لا عمل نقابي منظم، ولا حتى محاولة لإصلاح الذات.الفكرة تحتاج إلى إعادة تأسيس، يقودها جيل شاب، بخطاب جديد لا ينتمي للشيخوخة السياسية.

       هذه المواقف مجتمعة أضعفت دور الحزب كقوة مستقلة، كما جعلته يبدو تابعاً لا شريكاً في أحيان عديدة.المشاركة قد تُفهم كقبول باللعبة، لكن المقاطعة أيضاً لا تُحدث تغييراً في النظام، ما لم تُطرح كجزء من مشروع بديل واضح.

         إني لأتساءل هنا: هل جرت مراجعة صادقة وحقيقية للأخطاء؟ هل تمّ فتح ملفات التحالفات الخاطئة بجدية؟ هل أقدمت القيادة على مراجعات فكرية وتنظيمية توازي حجم الخسائر؟ إن أي حزب أو حركة، أم تنظيم، لايواجه أزماته بوضوح ومسؤولية، ولا يطرح أخطاءه للنقاش سيظل يدور في حلقة مغلقة لا تقوده نحو الإصلاح، أعتقد هنا، أن هذه الدعوة للمشاركة في النقاش حول أسباب الإخفاق، خطوة في الاتجاه الصحيح أقدمت عليها قيادة الحزب.

       السؤال الأهم على وفق تلك المعطيات: هل يستطيع الحزب النهوض بمشروع سياسي جديد وحده، في ظل ظروف صعبة تزداد تعقيداً؟ وهل ما زال لليسار موقع وضرورة في العراق المعاصر، أم أن دوره التاريخي يوشك على الانطفاء؟

     باعتقادي، من الصعب جداً أن ينهض الحزب منفرداً، وبإمكاناته السياسية والمادية بهذا المشروع، إنما يتطلب تشكيل ائتلاف واسع وموحد، يضم القوى المدنية والوطنية والديمقراطية والاجتماعية، والنقابية، في شراكة قائمة على المصلحة الوطنية، وتحقيق العدالة الاجتماعية على وفق برنامج واضح الأهداف والرؤى، يضع في أولى مهماته إصلاح النظام الانتخابي كشرط أساس في المشاركة الانتخابية، وخطاب يتبنى الإصلاح الاقتصادي، ومؤسسات الدولة.وخروج هذا القوى من نخبويتها، وبناء تحالفات تضم فئات مجتمعية واسعة. وأي بديل لا يبدأ من الداخل لا قيمة له، فالأزمات ليست قدراً محتوماً، والشعوب قادرة على التغيير إذا ما امتلكت الإرادة.

مقالات ذات صلة