تحقيق

(10)”نقش في الحجر”: مع “صفاء أبو السعود”..صورة عمرُها 55 عاماً.. و”مولود” اسمه “الوجيه الثقافي

      هذه الصورة، جزءٌ من حكايتي مع صديق العمر رياض عبد الكريم، يرويها بنفسه عن محطات البداية التي جمعتنا للمرة الأولى منذ خمسة وخمسين عاماً في مجلة (الإذاعة والتلفزيون) مطلع السبعينيات. سطورها تداعب روحي اليوم مثل نسمة ندية تعيدني الى زمن عشنا بضع سنواته في طابق من عمارة عتيقة بالصالحية، اسمها “الكميت” كانت تشغلها وكالة الأنباء العراقية قبل انتقالها الى شارع أبي نؤاس، تعبق بذكريات صافية تشبه نقاء تلك الأيام، ووفاء ظل يلازم كل الذين أعُدُّ نفسي محظوظاً كوني مازلت أتواصل معهم حتى اللحظة، رغم مرور كل هذه السنوات التي طشرتنا في أصقاع بتنا فيها غرباء مهمشين تماماً لوﻻ نأمة التواصل هذه.

       ويوم حكمتُ على نفسي بقرار الهجرة، عزَّ علي ألّا أذهب للسلام عليه بعد أن عرفت بمكانه وأنا أحزم حقائبي من رياض ثالث أخذني إليه على الفور، هو الراحل رياض قاسم زميلنا في المجلة عينها وزميلي في (الصباح الجديد) خلال أيامي الأخيرة في بغداد.

     اقول لرياض وانا احيي مشروعه الوليد (الوجيه الثقافي) أنْ ليس هناك شيئ في الكون كله أجمل من الوفاء وأصدق تعبيراً عن معاني النبل واﻻنسانية، وإنني أتعلق حباً بالأوفياء الطيبين الذين تذكروني وأوردوا سيرتي في مقاﻻتهم وأحاديثهم وكتبهم رغم غيابي عن عيونهم ومسامعهم لسنوات طويلة، ولم يكتفوا بذلك بل مدّوا الجسور عبر المحيطات للسؤال عني. أعانقك من بعيد أخي (أبا طيبة).

    عام 1973 كان بداية عملي الفعلي في الصحافة، وفي مجلة الإذاعة والتلفزيون، التي يرأس تحريرها المرحوم زهير الدجيلي، وكنت حينذاك في المرحلة الأخيرة بقسم الصحافة كلية الآداب جامعة بغداد، أدرس صباحاً، ومساءً أعمل في المجلة.

     حين بدأتُ، شعرت بالرعب والخوف من فشلي في العمل لأنني وجدت نفسي وسط عمالقة الصحافة العراقية آنذاك، واصغرهم سناً إذ لم يكن عمري قد تجاوز الثانية والعشرين عاماً ، لكنْ سرعان ما تبدّد الخوف بعدما تلمّست ودَّ الموجودين ولطفهم واحترامهم لي، بل واندماجهم معي وهم يطلعونني على تفاصيل وأفكار وأوليات العمل الصحفي.

    ومن بين هؤلاء الأخيار كان ثمة إنسانٌ يرتكن زاوية من غرفة التحرير، وينظر لي بين الحين والآخر ، هو لا يضحك مع ضحكات الآخرين، وقليل التحدّث معهم ، وغالباً ما كان يكتب باستمرار ، لكنني أحسست من خلال نظراته المليئة بالود واللطف، أنّه يمتلك روحاً باسمة ويحتويه قلب شفاف، شدني حضوره الهادئ ووسامته البريئة.

     حين أعطيت ورقة اقترحت فيها عناوين لتحقيقات صحفية لرئيس التحرير كان قد طلبها مني كاختبار لقدراتي قال على الفور : سلمها الى رياض احترت ماذا يقصد !! وفهم الأمر بأن اسمي رياض وأضاف .. رياض شابا.

     وبدأت رحلة صداقتي برياض شابا ، كان زهير الدجيلي يعتمد على رياض شابا كثيرا فلديه اسلوبٌ سلسٌ وممتعٌ في سرد القصة الصحفية، ويجيد ببراعة كتابة التحقيقات ويتمتع بخبرة مهنية واسعة تمكنه من إعطاء مادة دسمة وممتعة للقارئ ويحسن أيضاً صياغة العناوين بالشكل الذي يلفت انتباه القارئ ويشدُّه لقراءة الموضوع.

     ومن إبداعاته الصحفية، أنّه كان يُحرّر ويكتب صفحة في المجلة باسم مستعار هو ( وسن سلمان ) ولرومانسية كلمات الصفحة ورقتها العذبة كانت تحصد عشرات الرسائل من القراء أسبوعياً لملاطفة “وسن” ودغدغة عواطفها ، وغالباً ما كنّا نقرأ الرسائل سوية، ويستغرقنا الضحك طويلاً.  

      هذا ما عرفته عن رياض بعد أنْ زاملته في العمل وبعد أنْ تعلّمت منه الكثير من أساليب الكتابة وتنوّعاتها ما بين التحقيق والحوار والتقرير والخبر. كان قريباً جداً مني، يقرأ ما أكتبه ويصحّح لي ويطالبني بإعادة كتابة الموضوع وقد يتكرر ذلك أكثر من مرة دون أنْ يجعلني وبأسلوبه الدافئ الممتع، أشعر بالضجر أو الملل.

     قال لي ذات مساء: “ستأتي معي الى معرض بغداد”.. لم اسأله لماذا، لأن صحبته تمتعني وتزيدني قرباً منه وحباً له، حين وصلنا وجدت نفسي أمام فرقة ثلاثي أضواء المسرح، سمير غانم وصفاء ابو سعود وجورج سيدهم، أثناء مشاركتهم بحفلة خلال أيام العرض. كان رياض قد أخذ منهم موعداً لإجراء تحقيق صحفي، التفت نحوي وقال انتبه لكيفية إجراء التحقيق وتابع طبيعة الأسئلة..كان ذلك بمثابة تمرين ميداني للعمل الصحفي.

     تطورت علاقتي برياض وأصبحنا أصدقاء من نمط خاص لأننا تشابهنا في كثير من الصفات والرغبات والأفكار ، هو مسيحي وأنا مسلم ، كنا غالبا نحضر أعيادنا سوية باستمرار ، نخرج، ونسهر معاً، نشاهد الأفلام، نزور المعارض، وقدمنا بشكل مشترك برنامجاً من تلفزيون العراق باسم تحقيقات تلفزيونية .

      ثمة ظروف بعضها استياء من نجاح المجلة والآخر سياسي، أدت الى تدمير هذا النجاح ونقل العاملين وإنهاء خدمات من يعملون على القطعة، وتفرقنا ، وطال الفراق مدة طويلة بسبب الحروب والحصار .

     ذات ليلة اتصل بي رياض وأخبرني أنّه سيغادر العراق “غداً” الى كندا ، وانقطع الاتصال.

     بعد مضيّ أكثر من ثلاثين عاما ، وقبل أسبوع فوجئت برسالة تحية وسلام وردتني على صفحتي في الفيس بوك باسم رياض شابا، لم أتمالك نفسي، لفرط سعادتي لحظتها وخفت أنْ يكون ذلك وهماً، فكتبت له مباشرة ، هل أنت “وسن” ، جاءني الجواب نعم أنا وسن، فضحكنا طويلاً كما كنا نضحك عندما نقرأ الرسائل التي تأتي الى وسن وكاتبها رياض شابا.

         في الساعة الثانية والربع من فجر الثامن من آب 2025 بتوقيت فانكوفر، لمحتُ العلامة الخضراء الصغيرة (شغّالة) على موقع رياض عبد الكريم. وقبل أنْ أهاتفه كان يبعث برسالة تختصر حكاية (مولود) جديد اسمه (الوجيه الثقافي). نتاج منوع جميل، بالألوان وبإخراج رائع، وحجم مكتنز أخّاذ، واستخدام جذاب للصور والرسوم والخطوط.

رحتُ أقلب الصفحات على الفور، قبل أنْ أهتف : مبارك.. (أبو المفاجآت الحلوة).

   وواقعاً، وفي أعماقي، لم أكن أعيش مفاجأةً البتة، فأنا أُدرك جيداً أن شخصاً مثل رياض، بإمكانه النهوض بمشروع يراد له الاستمرار وأنْ يشق طريقاً، وسط كم كبير من صحف ورقية ورقمية تملأُ عالمنا اليوم.

    تفاعلتُ مع الموضوع برمته، وتحدثنا بعض الوقت عن حلم يُورق مع صيف راحل، فأردت أنْ أوجه له تحية إعجاب، تقودني الى الكلام عن الشخص الذي يود الارتقاء بحلمه عالياً. وكي تتكلم عن مشروع ما، لابد لك من تسليط الضوء على من يقف وراءه..

     الخطوات الأولى لرياض التي أعرفها جيداً، تجعلني متفائلاً إزاء طالب الصحافة الذي دخل (أروقة) مجلة (الإذاعة والتلفزيون) في مطلع سبعينات تميزت برفضها العملات الرديئة، ما لم يثبت مقتحمو مهنة المتاعب المواصفات المطلوبة.. جدارةً ملموسة، قدرة على الحس والتعبير، والكثير من الجري والبذل حد التعرّق، مقرونة بالتزام باخلاقيات العمل.

     وقد تعرّق رياض بغزارة..  كنتُ أراقبه وأتابعه وأحصي أنفاسه معظم الوقت داخل تلك المدرسة التي أعتز بانتمائي إليها منذ وقت مبكر من عمرها، في رحلة بدأتها عندما كانت المجلة تشغل حيزاً صغيراً من غرفة المكتبة داخل مبنى المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون في الصالحية. كانوا زهير الدجيلي وعارف علوان وسؤدد القادري وزيد الفلاحي وأنا الخامس.

    ولا أحب الـ(أنا) هذه، بقدر ما أود التعبير عن الوفاء الى مكان استقطب في اوقات لاحقة قامات صحفية ثقافية أدبية لا مجال لذكرها جميعاً، وهي معروفة وراسخة بأسماء نعتز بها، تتلألأ في ارشيف يكتنز خلاصةَ تجربة يتعلم فيها الصغير من الكبير، ومن الأقدم والأنضج. وقد أشار رياض بنفسه الى تلك الاسماء في كتابه الأول (سنوات التحدي والاصرار)، متحدثا عن تجربته المثيرة، ثم جاء كتابه الثاني (الدولة الغريقة والهروب الى الأمام).

وهنا (شيء من بيت القصيد).. غيضٌ من فيضٍ أرويه عن رياض صاحب المواهب المتعددة التي توقعها له الكثيرون منذ السنوات الأولى من بداياته. اصطحبته معي الى أكثر من مكان، كي نكتب ونصور، وكانت ثمة ليلة لن تُنسى من ليالي معرض بغداد الدولي يتذكرها رياض جيداً..

     كان الى جانب عمله في المجلة يُعِدُّ برنامجاً لاذاعة (صوت الجماهير) وطلب مني يوماً أنْ أقرأ خاطرة أنتظر فيها شروق الشمس وما يعنيه مغيبها كل مساء، وتندرنا لذلك طويلاً!! أعددنا بعض الوقت برنامجاً مشتركاً لقسم التنمية في تلفزيون بغداد. وقف الى جانبي وأنا أحضر تسجيل حلقة خصصها لي المخرج المصري (ابراهيم الصحن) عنوانها (الطيور لا تخشى الضجيج).. عن دلالات تأميم العراق لثرواته النفطية.

     وذات ظهيرة حصل تحول جديد في مسيرته، عندما وقف زهير الدجيلي رئيس التحرير شبه حائر إزاء الشخص الذي سيملأ فراغاً كبيراً سيتركه المشرف الفني عارف علوان بعد قرار الأخير مغادرة العراق، فما كان منّي إلا أنْ ألفت انتباهه بإشارة من عيني الى حيث يجلس رياض: (ها هو.. أمامك تماما). وكان رياض قد تعلم من سلفه الكثير، ترجمَهُ على ارض الواقع عندما صار الصحفي والرسام الشاب مصمماً يشار اليه بالبنان، بلغ مجموع ما صممه من أغلفة الفا وخمسمائة وربما أكثر.

     وخلال سني إقامته في عمان لاحظتُ حضوره المتطور في أنشطة عديدة.. ندوات ومجالس وحوارات.. أُجْريَتْ معه لقاءات في التلفزيون الذي خاض معه تجربة طويلة من خلال برامج قدمها في قناة (الديار)..  

    أمور كثيرة أعترف أنني كنت أجهلها عن مسيرته جراء ما سبّبه لنا الوطن من فراق واغتراب.. إلا أنني أجدد تفاؤلي بصدور العدد الأول من مشروعه الذي اعتدنا تسميته (العدد صفر).. وأنا أراه صفراً على اليمين، تلحق به اصفارٌ أخرى على طريق لن يخلو من أشواك، لكنه معبّد بتراكم الخبرة والتطلع نحو الأفضل..

     بالتوفيق لهيئة التحرير ولكل من يسهم في إرواء برعمنا الفتي هذا.. ولتكن علامتكم خضراء على الدوام.

طابت أوقاتك صديقي

    تجاوزت الأربعمائة كلمة بقليل.. انت تستحق أربعة ملايين واكثر..

مقالات ذات صلة