الأب..ذلك “المظلوم” الذي لا “يصرخ”..




الأب، في كثير من المجتمعات، هو المظلوم الأعظم… لا لأنه يُساء إليه، بل “لأنه لا يُنظر إليه”!. لأن العائلة قد اعتادت على أن يكون قوياً، فنسيت أن فيه قلباً يتعب، وروحاً تئنُّ بصمت. الأب هو الذي ينسى نفسه ليذكُرك، ويتخلى عن أحلامه ليرى أحلامَك تكبر. هو الذي يعمل بصمت، ويمشي بثقل العالم على كتفيه، دون أن يسأل: “أين حقي؟”
كان أبي إذا ابتسم، شعر البيت بالأمان، وإذا غضب، خِفنا على حزنه لا من غضبه!
هل سألت يوماً: متى بكى والدُك آخر مرة؟
هل فكرت في كم مرة دفن فيها حزنه، وجاءَكَ مبتسماً؟
الأب ليس مجرّد مُعيل، كما تروّج له النظرة الاقتصادية الجافة. الأب ليس مجرد مموّل للمصاريف أو صرّافاً يقترب من نهاية الشهر بقلق. إنه رجل يقتل نفسه قطعةً قطعةً كل يوم ليُسعِدَ أولاده. رجل لا يملك ترفَ السقوط، لأنه إنْ سقَط، سقط الجميعُ من بعده.
في الثقافة الشعبية، الأم تحظى بالمكانة التي تستحقها — وهذا واجب لا خلاف فيه — لكن كم من مرة خُلّد الأب في الأغاني؟ كم من مرة كُرّم في القصص؟ كم من مرة ذُكر بوصفه إنساناً يشعر ويتألم ويشتاق؟
غالباً، يتم تصويره ككائن حديدي لا يحتاج إلى الحب، لا يتأثر ولا يُكسر!!. لكنّ الحقيقة، هيَ أن الأب، في لحظة ضعف واحدة، يذوب كالشمعة التي ظلت تحترق طوال الليل لتنير لنا الطريق.
الأب هو ذاك الجبل الصامت، الذي ينهار ألف مرة في داخله… ولا يهتزّ أمامك.
إن الظلم الذي يتعرَّضُ له الأب ليس ظاهرياً دائماً، بل هو ظلم معنوي… إهمال مجتمعي، نكران غير مقصود، صمت خانق.
فهل فكرنا أن نسأل عن إرهاقه؟ عن وحدته؟ عن أحلامه التي طُمرت من أجل أن نبقى أحياء؟
قال أحد الحكماء: (إذا أردت أن ترى قوة الله مجسدة في بشر،
فانظر إلى أبٍ خرج صباحاً ولم يكن يملك إلا قلبه…وعاد مساءً وقد وفّر كلَّ شيء لأطفاله، ما عدا نفسه).

كم من أبٍ قضى عمره يحفر في الصخر ليؤمّن تعليم أولاده، ليشتري بيتًا، ليُقيم لهم حياة كريمة، ثم مات دون أن يسمع كلمة “شكراً” من أحدهم؟
كم من أبٍ عاش ومات ولم يُقَلْ عنه سوى (كان صارمًا) أو (لم يكن حنونًا)، بينما في داخله كان أكثر الناس حباً، لكنه، رُبّما، لم يعرف كيف يُظهره؟
كبرتُ يا أبي، فازددتُ يقينًا أنك كنتَ على حق، وأنّ صمتك لم يكن قسوة، بل حكمة لم نفهمها صغاراً.
يا لكرامة هذا الكائن الذي يُظلم بصمته، ويا لضخامة هذا الجبل الذي لا نراه لأنه لا يسقط.
فليكن هذا المقال نداءً: أعيدوا الاعتبار للأب، لا في يومٍ رمزيٍ يُحتفل به سنويًا، بل في وجدان المجتمع. في المدارس، في الإعلام، في القصص، في الأغاني، في قلوب الأبناء والبنات.
اجلسْ مع والدك، اسأله عن نفسه، لا عنك. قل له إنك تقدِّرُ جهوده، وإنك ممتن، وإنك تعرف كم تعبَ وكم صبر.إنّهُ الرجل الذي لم يقل يوماً (أنا تعبت)… لكنه يفعل كل ما يجبُ من أجل سعادة عائلته.
وأنا، في نهاية هذا الحديث الموجع، لا يسعني إلا أن أقول: (شكرًا يا أبي، يا حبيبي، ونور عيني، يا أغلى مخلوق على قلبي.شكرًا على كل شيء قدّمته لي ولإخوتي، على صبرك وتعبك، وعلى حبّك الذي لم يعرف الحدود).
أتمنى أن يكون هذا الشكر البسيط، مجرد قطرة في بحر عطائك الذي لا يُقاس.
أحبك* بحجم كل الأيام التي ضحَّيت فيها من أجلنا… دون أن تشتكي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*تخذلُني دموعي، قبل أحاسيسي عن قولِ شيء، فسيفٌ “حرسه الله وحرسَ أبناءكم جميعاً”، أوّل أبنائي الستة، وهو أقدمُ أصدقائي بينهم. بيني وبينه عمرٌ من الذكريات، والأسرار التي لا أبثّها لغيره، فهو حاملُ لواءِ عائلتنا الصغيرة في كندا التي جئناها، لاجئين، “هاربين” من عواقب “أزمةٍ مهنيّة”، عشتُها أنا، فحملَ وزرَها معي سيفٌ قبل غيره.
كان الوحيد، تماماً الذي يعرفُ تفصيلياً، ما في أسباب قراري للرحيل إلى عمّان، وفي “أسرار” تدبير ترحيل العائلة بأسرها، بعدي، فكان هو “الرجلَ الصُلبَ” الذي أمّنَ وصول الجميع سالمين إلى العاصمة الأردنية، حيث كُنّا نقيم. ثم طارَ إلينا بجناحي “سيارة جِمسي”، تاركاً وراءَهُ، عِشقَه لبغداد، ومودّة أصدقائه، ودورة الضباط التي أمضى فيها –متطوّعاً- شهوراً تقلُّ عن ستة، فحقَّ له قانوناً تركها!.
لا أدّعي، لكنْ هي الحقيقة، أنا أتعاملُ مع جميع أبنائي، كبيرِهم وصغيرِهم على أنّهم أصدقائي، أصارحهم، أحادثهم طويلاً، أبُثُّهم مسرّتي، وأخفي عنهم تعاستي، إلا إذا اقتضت الضرورة!. ولا أميّز بينهم إلّا بأنْ أنتبه لأهم خصال كلِّ واحد فيهم، فبينهم الكتوم بحكمة، والمُسرِفُ بعطاء، والصَّموت الساخر، والسَّخي المفرِط، والمجتهدُ الطَّموح، والعاقلُ بجنون. إنّ “الأبوّة الحَسَنَةَ”، ليست مِنّة، بل هي “سُنّة”، لكنّ امتيازَها عن غيرها، لا يكونُ إلا في الاجتهاد، والتوازن، وحُسن المعاملة، وفي نكران الذاتِ، ومخافةِ الله قبل كلِّ شيء!.
اللهمّ احفظ لنا أبناءنا جميعاً، آزرهم في غربتهم، ولا تحرمهم من وطنهم الأم، وامنحهم أسباب المسرّة والكفاية، وقبل ذلك محبّة الناس من حولهم، ولا تحرمهم عطفَك، وجُودَك، ورضاك. صباح اللامي





