المفارقة الوجودية…الغرس في لحظة النهاية





إننا إزاء مشهد يتجاوز حدود الفعل الزراعي إلى فضاء وجودي تتواجه فيه قوتان: قوة النهاية التي تسحب العالم نحو الغياب، وقوة الحياة التي تستدعي الإنسان إلى الفعل. وبينهما يقف الإنسان، لا بوصفه كائناً ينتظر مصيره فحسب، بل بوصفه كائناً مسؤولاً عن موقفه من الوجود.
فالحديث لا يطلب من الإنسان أن ينكر النهاية، ولا أن يتوهم امتلاك زمن لا يملكه؛ إنه يضعه وجهاً لوجه أمام الحقيقة القصوى، ثم يدعوه إلى ألا يتخلى عن قدرته على العطاء.
وهنا ينقلب السؤال من: كم بقي من الوقت؟ إلى: ماذا بقي في الإنسان من إنسانه؟
إنها لحظة ينكشف فيها الفرق بين من يجعل الزمن شرطاً للفعل، ومن يجعل الفعل موقفاً من الزمن. فحين تضيق المسافة بين الحضور والغياب، لا يفقد الفعل قيمته، بل يتحرر من كثير من الحسابات التي كانت تحاصره.

ليست الفسيلة شجرة مكتملة، ولا ثمرة ناضجة، ولا ظلاً قائماً يمكن الاحتماء به؛ إنها بداية الشجرة، واحتمالها، ووعدها المؤجل. إنها الحياة قبل أن تكتمل صورتها، والمستقبل وهو لا يزال جنيناً في جسد الحاضر.
في هذه النبتة الصغيرة تختبئ شجرة لم توجد بعد، وثمر لم ينضج، وظل لم يمتد. إنها تحمل في كيانها الصغير احتمالاً يتجاوز حجمها، كما تحمل الكلمة احتمال القصيدة، والفكرة احتمال الحضارة، والنطفة احتمال الإنسان.
ومن هنا تتجاوز الفسيلة دلالتها المادية لتصبح رمزاً للتكوين المستمر، وللقدرة الكامنة على استئناف الحياة.
واللافت أن الحديث لا يدعو إلى المحافظة على شجرة قائمة، بل إلى غرس شجرة جديدة؛ أي إنه ينقل الإنسان من موقع المستفيد من الحياة إلى موقع المشارك في إنتاجها. لا يطلب منه أن يستهلك ما بقي من الوجود، بل أن يضيف إليه شيئاً لم يكن موجوداً.
كأن الإنسان لا يُقاس فقط بما أخذه من الأرض، وإنما بما أعاده إليها.
وفي هذه الصورة تتجلى فلسفة الإضافة: أن يكون حضورنا في العالم أكثر من مجرد عبور، وأن نترك في مساحات وجودنا بذرة لم تكن هناك قبل مجيئنا.
إن الفسيلة ليست وعداً بأن المستقبل سيأتي، وإنما هي إعلان بأن الإنسان لا يزال قادراً على التفكير بمنطق المستقبل، حتى عندما يتداعى الزمن من حوله.

من أعمق الدلالات التي يفتحها الحديث أنه يفصل بين قيمة الفعل وضمانة النتيجة.
فالذي يغرس الفسيلة عند قيام الساعة لا يملك وعداً بأن يأكل من ثمرها، ولا ضمانة بأن يجلس في ظلها، ولا حتى يقيناً بأن أحداً سينتفع بها. ومع ذلك، يُطلب منه أن يغرسها إن استطاع.
وهنا تتعرض العقلية النفعية لخلخلة عميقة؛ تلك العقلية التي لا تعترف بالفعل إلا بمقدار ما يحققه من مكاسب، ولا تمنح الجهد قيمته إلا إذا انتهى إلى نتيجة ملموسة.
أما الحديث فيفتح أفقاً أخلاقياً مختلفاً: قد تكون قيمة العمل في كونه عملاً صالحاً، لا في مقدار ما يعود به على صاحبه.
وهذا لا يعني إلغاء النتائج أو التقليل من أهميتها، بل يعني ألا تتحول إلى شرط وحيد للفعل.
فالمعلم قد يزرع في تلميذه معرفة لا يعرف أثرها إلا بعد عقود، والكاتب قد يكتب نصاً لا يلتقي قارئه إلا بعد رحيله، والمصلح قد يدافع عن قيمة لا يشهد انتصارها في حياته. فهل يصبح عمل هؤلاء عبثاً لأنهم لم يروا الثمرة؟
إن الفعل الإنساني أوسع من العمر الذي احتضنه، وأعمق من المنفعة التي تحققت منه.
ولعل في هذا المعنى تحريراً للإنسان من قلق الحصاد؛ فليس مطلوباً منه دائماً أن يمتلك الثمرة، وإنما أن يؤدي مسؤوليته تجاه البذرة.
وهنا يصبح الغرس فعلاً أخلاقياً في مواجهة الحسابات الضيقة، ويصبح العطاء شكلاً من أشكال الحرية؛ لأن الإنسان يتحرر من انتظار المقابل، ويستعيد حقه في أن يفعل الخير لأنه خير.

إذا كانت الفسيلة ستغادر يد صاحبها لتستقر في الأرض، فإنها تشبه كل أثر إنساني يغادر صاحبه ويبدأ حياته المستقلة عنه.
فالإنسان حين يكتب، أو يعلّم، أو يحب، أو يزرع، لا يستطيع أن يحدد المصير النهائي لما يمنحه للعالم. إنه يضع أثره في فضاء لا يملكه، ثم يتركه يواجه الزمن.
وهنا تتشكل علاقة عميقة بين الغياب والاستمرار.
قد يموت الغارس، لكن الشجرة تظل حاضرة. وقد يغيب الكاتب، لكن نصه يظل قادراً على استدعاء الأسئلة. وقد يرحل المعلم، لكن كلمة قالها لتلميذه قد تظل ترسم له طريقاً لم يكن ليراه لولاها.
إن الأثر لا يشترط حضور صاحبه كي يواصل عمله.
وهذا هو المعنى الذي يجعل الإنسان قادراً على تجاوز حدود عمره، لا بالخلود الجسدي، بل بما يتركه من قيم ومعرفة ومحبة وإبداع.
فالخلود هنا ليس بقاء الذات في صورتها الأولى، وإنما استمرار شيء منها في حيوات الآخرين.
ويمكن أن نقرأ الفسيلة في هذا الأفق بوصفها استعارة لكل أثر مؤجل؛ ذلك الأثر الذي يبدأ صغيراً، ثم يخرج من حدود صاحبه، ويصبح جزءاً من ذاكرة العالم.
إن الإنسان لا يعرف دائماً أي بذرة من بذوره ستنبت، ولا أي كلمة من كلماته ستغير مسار إنسان، ولا أي فعل من أفعاله سيصبح بداية لتحول لم يكن يتوقعه. لكنه يستطيع أن يزرع.
وهنا تتبدى عظمة العطاء: أن تمنح العالم شيئاً، دون أن تشترط أن تكون شاهداً على اكتماله.

نصل هنا إلى السؤال الأكثر عمقاً: ماذا يعني أن نختار الحياة ونحن نعرف أنها محكومة بالنهاية؟
إن الاعتراف بالموت لا يعني الاستسلام لمنطقه. فثمة فرق بين أن نعرف أن الحياة فانية، وأن نسمح لهذا الفناء بأن يصبح التفسير الوحيد لكل ما نفعله.
الموت حقيقة تتصل بالمصير، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سلطة تلغي قيمة التجربة الإنسانية. فهل تصبح المحبة بلا معنى لأن الفقد ممكن؟ وهل تصبح المعرفة عبثاً لأن النسيان وارد؟ وهل تفقد القصيدة قيمتها لأن شاعرها راحل؟ وهل يصبح العطاء بلا جدوى لأن يد المعطي ستغيب ذات يوم؟
إن الحديث يضعنا أمام إجابة تتجسد في فعل لا في خطاب: اغرس الفسيلة.
إنه لا يقول للإنسان إن الموت غير موجود، بل يفتح أمامه إمكانية أن يعيش دون أن يجعل الموت مركزاً وحيداً لوعيه. لا يطلب منه أن ينتصر على الفناء، بل أن يظل قادراً على إنتاج الحياة في مواجهته.
وهنا نلتقي مع معنى وجودي بالغ العمق: أن نختار الحياة لا لأنها خالية من الموت، بل لأننا نرفض أن نمنح الموت حق احتكار المعنى.
فالإنسان لا يملك أن يختار موعد النهاية، لكنه يملك، في حدود استطاعته، أن يختار طبيعة الأفعال التي تسبقها. لا يملك أن يمنع الزمن من الانقضاء، لكنه يستطيع أن يملأه بما يستحق البقاء.
وهذه ليست بطولة من يظن أنه سيبقى، بل بطولة من يعرف أنه راحل، ولا يسمح لرحيله أن يتحول إلى سبب لحرمان العالم من شيء جميل كان يستطيع أن يمنحه إياه.

إن أعمق ما يكشفه الحديث أن الإنسان لا يُختبر فقط في قدرته على مواجهة النهاية، وإنما في قدرته على الاحتفاظ بمعنى الحياة وهو يواجهها.
فالفسيلة الصغيرة، في لحظة قيام الساعة، ليست مجرد نبتة تنتظر أن تستقر في التراب؛ إنها سؤال معلّق في وجه الفناء: هل يكفي أن تكون النهاية قريبة لكي نتوقف عن صناعة البدايات؟
والجواب الذي يمنحه الحديث ليس تنظيراً فلسفياً، بل فعل بسيط يتجاوز بساطته: اغرسها.
كأن الرسالة أن الحياة ليست ملكاً للحظة التي نعيشها وحدها، وأن مسؤوليتنا تجاهها لا تنتهي عند حدود أعمارنا. فما نزرعه اليوم قد يصبح حياة لآخرين غداً، وما نمنحه من خير قد يواصل رحلته بعد أن تنقطع رحلتنا.
تأمل الصورة الأخيرة: إنسان يقف عند حافة الزمن، يسمع هدير النهاية، ويرى العالم يتداعى من حوله. لا يبحث عن باب يهرب منه، ولا عن لحظة يفاوض بها الموت، ولا عن شاهد يسجل بطولته. ينظر إلى يده، فيجد فيها فسيلة. ينحني، ويغرسها.
في تلك اللحظة لا يكون قد غيّر مصير العالم، لكنه يكون قد حسم موقفه منه. لم يستطع أن يمنع النهاية، لكنه رفض أن يجعل النهاية فعله الأخير. لم يضمن للشجرة أن تكبر، لكنه منحها حق البداية.
إنه لا يقول للموت: لن أموت؛ بل يقول له: لن أجعلك سبباً في أن أتوقف عن الحياة.





