الرئيس “منشغلٌ” بتخليد اسمه..والأميركيون يبحثون عن إجابات لما سيحدث!



وكان ترامب قد خصص معظم خطابه التلفزيوني الأخير، عشية الانتخابات، للحديث عن مشروع تجديد بركة الانعكاس المائي أمام نصب لنكولن التذكاري. وتشمل المشروعات الأخرى إنشاء مهبط للطائرات المروحية أمام البيت الأبيض، وتجديد ملعب غولف عام، فضلاً عن قوس ضخم يبلغ ارتفاعه 250 قدماً يعتزم تشييده بجوار نهر بوتوماك.
لكن أول ظهور لترامب بعد الانتخابات -برأي رويترز- لم يقدم مؤشرات تذكر على رغبته في تغيير مساره أو إعادة ترتيب أولوياته. وخلال فعالية استمرت نحو عشرين دقيقة يوم الأربعاء، أقر ترامب بأنه تعرض لانتقادات بسبب تخصيص هذا القدر الكبير من الوقت والجهد لمشروعات ذات طابع استعراضي، لكنه دافع عن قاعة الاحتفالات بالقول إنها ضرورية من أجل عظمة البلاد ومجدها.
وقال: «أنا أحب هذا المشروع. بالنسبة لي، إنه أمر يبعث على الاسترخاء». ويحرص ترامب، وهو ملياردير ورجل عقارات سابق من نيويورك، على الحديث بانتظام مع الصحفيين بشأن مشروعات التجديد والتطوير التي ينفذها في واشنطن.

ترامب يعالج هزيمته .. بقاعة احتفالاته!
بعد ساعات من تعرض الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه الرئيس دونالد ترامب لخسائر تاريخية في انتخابات منتصف الولاية، ركّز، يوم الأربعاء، أول ظهور علني له على حديث مطوّل عن قاعة الاحتفالات التي يجري إنشاؤها في البيت الأبيض. وفي وقت مبكر من بعد ظهر الأربعاء، وبعد صمت ساد الإدارة الأميركية طوال ساعات الصباح، استدعى ترامب الصحفيين بصورة مفاجئة لحضور مراسم رفع ما وصفه بأنه آخر عارضة فولاذية في الهيكل الجديد.
والتقى الرئيس عمال البناء، مقدّماً بذلك ثاني إحاطة له خلال أسبوع واحد بشأن سلسلة من مشروعات التجميل والتطوير التي ينفذها في العاصمة الأميركية. وقال ترامب، متحدثاً عن أعمدة قاعة الاحتفالات: «إنها تُنحت من الحجر الجيري الجميل، وستكون على الطراز الكورنثي (أحد الطرز المعمارية الكلاسيكية الثلاثة في العمارة اليونانية القديمة).
وكان الديمقراطيون قد تمكنوا من السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، بعد فوزهم بمقاعد في ولايات محافظة بشدة، اعتادت تقليدياً أن تمنح الجمهوريين تقدماً انتخابياً بفارق يصل إلى عشر نقاط مئوية. في إحدى اللحظات خلال فعالية الأربعاء، توقف لمراقبة عملية تثبيت العارضة الفولاذية، بينما كان يتبادل الحديث مع الصحفيين بشأن احتمال تعرضه للمساءلة والعزل من جانب الكونغرس الذي بات يقوده الديمقراطيون. وقال ترامب: «تخيلوا الآن الثريات المنتشرة في كل مكان، وتخيلوا الأرضيات الرخامية… سيكون الأمر رائعاً».

ويرى محللون أن القيمة الحقيقية في هذا الرصد لا تكمن في انشغال دونالد ترامب بمشروعات البناء والتجميل في البيت الأبيض، بل في المفارقة السياسية التي يكشفها: رئيس يواجه تراجعاً انتخابياً وضغطاً متصاعداً بسبب “حرب غير شعبية”، فيما يبدو منشغلاً بتشييد صورة معمارية لمجده الشخصي، وكأن السياسة الأميركية باتت تتراجع أمام استعراض السلطة.
ترامب في مواجهة الهزيمة.. حين تصبح العمارة بديلاً عن السياسة
تكشف التطورات السياسية الأخيرة في الولايات المتحدة-طبقا لتقرير رويترز- عن مفارقة لافتة في سلوك الرئيس دونالد ترامب، تتمثل في اتساع الفجوة بين الأولويات السياسية والاقتصادية التي ينتظرها الناخب الأميركي، وبين الاهتمامات الشخصية والاستعراضية التي يصر البيت الأبيض على تقديمها بوصفها إنجازات رئاسية. فبينما تتراكم مؤشرات التراجع الشعبي، وتتزايد الانتقادات للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، يبدو ترامب وكأنه اختار مواجهة أزماته الداخلية بمزيد من مظاهر الاستعراض المعماري، لا بمراجعة السياسات التي قادت إلى هذه الأزمات.
ولعل الدلالة الأبرز في هذا المشهد ليست في قاعة الاحتفالات التي يجري تشييدها داخل البيت الأبيض، ولا في القوس الضخم الذي يخطط ترامب لإقامته على نهر بوتوماك، أو مهبط الطائرات ومشروعات التجديد الأخرى، وإنما في التوقيت السياسي الذي اختير لإبرازها. فالرئيس الذي كان يفترض أن ينشغل بقراءة الرسالة الانتخابية التي حملتها خسائر حزبه، وجد في استكمال مشروعاته العمرانية مناسبة لظهوره الإعلامي الأول بعد الهزيمة.

هنا تتجاوز المسألة حدود الذوق الشخصي أو شغف رجل العقارات بالبناء والتشييد، لتلامس طبيعة فهم ترامب للسلطة ذاتها. فهو يتعامل مع الرئاسة، في جانب من ممارسته، باعتبارها مساحة لإعادة تشكيل المشهد العام وفق تصوره الخاص للعظمة، حيث تصبح الأبنية الضخمة والرخام والأعمدة الكورنثية والثريات عناصر في صناعة إرث شخصي، أكثر منها استجابة لحاجات الدولة ومواطنيها.
لكن السياسة لا تُقاس بما يتركه الحاكم من منشآت فخمة، بل بما يتركه من استقرار اقتصادي وأمن اجتماعي ومكانة دولية. وهذه هي المعضلة التي تواجه ترامب اليوم. فالاستراتيجيون الجمهوريون أنفسهم يدركون أن استمرار الحرب على إيران، وما يرافقها من أعباء مالية وضغوط على المستهلك الأميركي، قد يتحول إلى عبء يصعب احتواؤه. ومن هنا جاءت الدعوات إلى إنهاء الحرب وإعادة توجيه الاهتمام نحو الأسعار وتكاليف المعيشة، وهي قضايا تمس الناخب مباشرة، بخلاف المشروعات التي تستمد قيمتها أساساً من رغبة الرئيس في تخليد اسمه.
والأكثر أهمية أن الخسائر الانتخابية التي مني بها الجمهوريون لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد تعثر حزبي عابر. إنها إنذار سياسي بأن قاعدة التأييد ليست محصنة أمام تبدل المزاج العام، وأن الولاء الانتخابي يمكن أن يتراجع حين تتقدم كلفة السياسات الخارجية على مصالح الداخل. وإذا كانت نتائج الانتخابات قد منحت الديمقراطيين فرصة أوسع لممارسة الرقابة والمساءلة، فإن احتمال فتح ملفات الحرب والإنفاق والأداء الرئاسي سيضع الإدارة أمام اختبار سياسي أكثر تعقيداً.





