واشنطن وإيران تبحثان عن مخرج من الحرب..هل تنجح مفاوضات الدوحة؟



هل اقتربت واشنطن وطهران من نهاية الحرب؟
لا تبدو التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إيران مجرد مراجعة عابرة لموقفه من استئناف العمليات العسكرية، بقدر ما تعكس محاولة لإعادة ضبط إيقاع المواجهة، في لحظة تتداخل فيها الحسابات السياسية الداخلية مع متطلبات الميدان وضغوط الاقتصاد الدولي. فبعد أسابيع من التلويح بإمكانية تجديد الضربات العسكرية، جاء نفيه التفكير في توجيه ضربة جديدة بعد انتخابات التجديد النصفي، مقروناً بإشارات إيجابية حيال فرص التوصل إلى اتفاق، ليطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تتجه واشنطن فعلاً نحو تسوية سياسية، أم أنها تعيد ترتيب أدوات الضغط قبل جولة تفاوضية جديدة؟
دلالتان على قرب انتهاء الحرب!
ثمة دلالتان أساسيتان في التحول الذي أظهره ترامب. الأولى أن الإدارة الأميركية باتت تدرك أن استمرار المواجهة العسكرية لا يحقق بالضرورة مكاسب سياسية إضافية، خصوصاً بعدما تحدث الرئيس عن القضاء على المستويين الأول والثاني من القيادة الإيرانية. فحين تبلغ العمليات العسكرية هذا المستوى من الاستهداف، يصبح السؤال متعلقاً بقدرة القوة العسكرية على إنتاج حالة سياسية قابلة للاستمرار، وليس بمجرد تحقيق التفوق الناري.

أما الدلالة الثانية، فتتصل بالداخل الأميركي. فالحرب وما ترتب عليها من ارتفاع أسعار البنزين أصبحتا عامل ضغط على الإدارة، في وقت يسعى فيه ترامب إلى حماية موقع حزبه في انتخابات التجديد النصفي. ومن ثم، فإن إنهاء الحرب أو إظهار تقدم ملموس نحو إنهائها يمكن أن يتحول إلى مكسب انتخابي، خصوصاً أن الناخب الأميركي يميل إلى محاسبة الإدارة على الأعباء الاقتصادية المباشرة أكثر من اهتمامه بالتفاصيل الاستراتيجية للصراعات الخارجية.
الاتفاق التمهيدي..غير التسوية الفعلية
لكن اختزال التحول الأميركي في الاعتبارات الانتخابية وحدها سيكون قراءة ناقصة. فهناك أيضاً إدراك متزايد لكلفة استمرار الحرب، واحتمالات اتساعها، وما يمكن أن تتركه من تداعيات على أسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي. فالولايات المتحدة، حتى مع تفوقها العسكري، ليست معزولة عن نتائج اضطراب إمدادات النفط أو ارتفاع تكاليف المواجهة، ولا تستطيع ضمان أن تبقى الحرب محصورة ضمن حدودها الحالية.
في المقابل، تكشف المحادثات التي جرت في الدوحة عن أن طهران لم تغلق الباب أمام المسار التفاوضي، وأن استمرار التواصل عبر الوساطة القطرية يوفر قناة سياسية يمكن البناء عليها. غير أن وجود مفاوضين إيرانيين في الدوحة لا يعني أن الاتفاق بات قريباً بالضرورة؛ إذ إن الانتقال من الاتصالات التمهيدية إلى تسوية فعلية يتطلب معالجة ملفات الخلاف الجوهرية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والضمانات المطلوبة، وحدود الالتزامات المتبادلة، فضلاً عن مستقبل العقوبات وترتيبات وقف العمليات العسكرية.
“تنقض تفاوضي”.. بين أسلوبي التهديد والتسوية

وتكتسب تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس أهمية إضافية في هذا السياق، لأنها تشير إلى وجود توجه داخل الإدارة نحو إعطاء الدبلوماسية فرصة، وعدم حصر الخيارات في استمرار المواجهة. ومع ذلك، فإن تأكيد ترامب أن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً يوضح أن واشنطن لا تتخلى عن سقفها الاستراتيجي، وأن أي اتفاق محتمل سيظل محكوماً بهذا الشرط.
ومن هنا، فإن التناقض الظاهري بين خطاب التهديد وخطاب التسوية قد لا يكون تناقضاً حقيقياً، بل يمثل أسلوباً تفاوضياً أميركياً يقوم على إبقاء القوة العسكرية حاضرة في الخلفية، بالتوازي مع تقديم إشارات إلى إمكانية إنهاء الحرب. فترامب يريد، على الأرجح، أن يدخل أي اتفاق محتمل باعتباره نتيجة للضغط الأميركي، لا باعتباره تراجعاً أمام إيران.
لكن هذا الأسلوب ينطوي على مخاطر أيضاً. فالمبالغة في استخدام التهديد قد تدفع الطرف الإيراني إلى التشدد، فيما يمكن أن يؤدي التسرع في إعلان النصر إلى إضعاف فرص التوصل إلى اتفاق قابل للاستمرار. كما أن الفجوة بين المطالب الأميركية والحسابات الإيرانية قد تكون أوسع مما توحي به التصريحات المتفائلة.
المعضلة..كيف يعلن كل طرف تحقيق أهدافه؟
في المحصلة، لا يقدم الموقف الأميركي الأخير دليلاً حاسماً على انتهاء مرحلة التصعيد، لكنه يكشف عن رغبة في اختبار إمكان تحويل التفوق العسكري إلى مكسب سياسي. وبينما تبدو واشنطن بحاجة إلى مخرج يخفف أعباء الحرب، تحتاج طهران إلى تسوية لا تظهرها بمظهر الطرف الذي اضطر إلى الاستسلام تحت الضغط.





