تحليل سياسيترجمة

مضيق هرمز: استراتيجية إيران لانتزاع أوراق القوة من واشنطن

   وتكتسب هذه الاستراتيجية أهميتها من طبيعة مضيق هرمز، الذي يمثل شريانا حيويا لتجارة النفط والغاز. ولذلك فإن التهديد بتعطيل الملاحة فيه يمنح إيران قدرة على توسيع نطاق المواجهة، حتى عندما تواجه ضغوطا عسكرية واقتصادية متزايدة.

     ويشير ت قريرٌ نشرته صحيف “التليغراف” إلى استهداف ست سفن تجارية خلال يوم واحد، في تصعيد يعكس انتقال طهران من التهديد العام إلى محاولة فرض قيود عملية على حركة الملاحة. ويكتسب تحذير قائد القوات البحرية في الحرس الثوري من أن السفن التي توقف أنظمة التتبع ستعامل باعتبارها سفنا معادية دلالة مهمة؛ إذ تحاول إيران تقديم نفسها بوصفها الجهة التي تحدد شروط المرور الآمن، لا مجرد طرف يملك القدرة على تهديده.

    ويعزز هذا الاتجاه تصريح محسن رضائي بأن الحرس الثوري يستهدف خمس سفن أو ستا كل ليلة، مقرونا بتأكيده أن المضيق يخضع للسيطرة الإيرانية. فهذه التصريحات تتجاوز التباهي بالقدرات العسكرية، لتوجه رسالة سياسية إلى واشنطن مفادها أن أي ترتيبات بحرية لا تراعي المصالح الإيرانية ستظل عرضة للاضطراب. لكن إعلان السيطرة لا يعني بالضرورة امتلاك سيطرة مطلقة ومستدامة؛ إذ إن استمرار الهجمات على السفن قد يثبت قدرة إيران على تعطيل الملاحة، من دون أن يثبت قدرتها على إدارة المضيق أو ضمان أمنه بصورة مستقرة.

     وتقدم الحوادث التي أوردها تقرير التليغراف مؤشرا إلى طبيعة التهديد الذي تواجهه الملاحة التجارية. فقد أعلن الحرس الثوري تعرض ناقلات نفط لأضرار واندلاع حرائق فيها، وعزا بعض الحوادث إلى اصطدام السفن بألغام بحرية بعد تجاهل التحذيرات الإيرانية أو استخدام مسارات تصفها طهران بأنها غير مصرح بها. وفي المقابل، تحدثت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية عن استهداف سفن تجارية بمقذوفات مجهولة، فيما أشار التقرير إلى فقدان بحارين هنديين إثر حريق على ناقلة إماراتية قرب عُمان.

      وتقتضي الموضوعية التمييز بين وقوع الحوادث، الذي أوردت بشأنه جهات بحرية تقارير، وبين الروايات المتعلقة بمسؤولية كل طرف وطبيعة السلاح المستخدم، وهي مسائل لا يمكن حسمها بمجرد نقل التصريحات الرسمية. ومع ذلك، فإن الدلالة الاستراتيجية واضحة: تستطيع الألغام والطائرات المسيّرة والهجمات المحدودة أن تفرض تكاليف كبيرة على التجارة البحرية، حتى من دون خوض مواجهة بحرية تقليدية واسعة. وهنا تكمن إحدى نقاط القوة الإيرانية؛ فهي تراهن على الاستنزاف ورفع كلفة تأمين الملاحة، بدلا من تحقيق تفوق بحري شامل.

       وتضع هذه التطورات الولايات المتحدة أمام معادلة معقدة. فمن جهة، لا تستطيع واشنطن السماح بتحويل مضيق هرمز إلى ممر يخضع بصورة حصرية للإرادة الإيرانية، لما لذلك من تداعيات على أسواق الطاقة ومصداقية الالتزامات الأمريكية تجاه حلفائها. ومن جهة أخرى، فإن توسيع العمليات العسكرية لا يضمن إنهاء التهديد، وقد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي أشد كلفة.

      ويشير تقرير الصحيفة البريطانية إلى أن واشنطن تعمل على إرشاد ناقلات النفط عبر المضيق، بينما تؤكد طهران استمرار سيطرتها عليه. ويكشف هذا التناقض أن الصراع لا يدور حول السفن وحدها، بل حول الجهة التي ستملك حق تحديد قواعد الحركة في هذا الممر الاستراتيجي. أما ربط التصعيد باحتمال تعرض إيران لضربات أمريكية جديدة، وبالانتخابات النصفية الأمريكية المقررة في تشرين الثاني- نوفمبر، فيطرح بعدا سياسيا إضافيا. فارتفاع أسعار الطاقة واضطراب الإمدادات قد يرفعان الكلفة الداخلية لأي مواجهة طويلة، وإن كان تأثيرهما الفعلي في خيارات الناخبين والقرار الأمريكي لا يمكن افتراضه بصورة آلية.

   وتدرك طهران أن تهديد الملاحة يتيح لها نقل جزء من كلفة الصراع إلى الاقتصاد العالمي. فالمخاطر لا تقتصر على الدول المستوردة للنفط، وإنما تشمل أيضا الدول المنتجة التي تعتمد على المضيق لتصدير مواردها، وشركات الشحن والتأمين، والمستهلكين الذين يتحملون في النهاية جانبا من ارتفاع التكاليف.

       وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، الذي وصف المضيق بأنه «خط أحمر للأمن القومي وأداة دفاعية»، أهمية خاصة. فهي تكشف عن التصور الإيراني الذي يضع السيطرة على الممر البحري ضمن أدوات الردع، لا ضمن المسائل التجارية المنفصلة عن الصراع السياسي.

     غير أن هذه الورقة تنطوي على مخاطرة مقابلة: فكلما ارتفعت كلفة الاضطراب على الدول الأخرى، ازدادت احتمالات تشكل تحالفات أوسع لحماية الملاحة، وقد تتحول أداة الضغط الإيرانية إلى عامل يزيد عزلتها ويبرر تشديد الضغوط عليها.

     وتكشف أحداث مضيق هرمز عن محاولة إيرانية لتعويض الضغوط العسكرية والاقتصادية بتوسيع نطاق التهديد إلى المجال البحري وأسواق الطاقة. وتقوم الاستراتيجية على إظهار القدرة على إرباك التجارة الدولية، ورفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة، ودفع الأطراف الأخرى إلى أخذ المطالب الإيرانية في الحسبان.

مقالات ذات صلة