محاولة لإنصاف شخصية بغدادية أصيلة وظريفة من “روايات الذاكرة”!!


في هذا التحقيق، سنعْمدُ إلى التثبّت من قضايا، أشِيرَ إليها تلميحاً أو تصريحاً في ثلاثة نصوص نشرتها “برقية” عن حسون الأمريكي،وهي حسب تسلسلها الزمني، لزملائنا: سعدون الجنابي (غريب في الشارع)، مستنداً إلى تفاصيل أوردها كتابه (رحلة في ذاكرة شارع الرشيد)، د. أكرم المشهداني (مجتمعنا العراقي بين ظاهرة حسون الأمريكي وظاهرة البريكية)، وزيد الحلّي (حسون الأمريكي في ذاكرة رشدي عبد الصاحب).
أما القضايا، التي نحن بصدد التثبت منها، فهي تنحصر في “تهمة الجنون”، “العزوف عن الزواج”، “الوظيفة”، “كلبُ حسون”، “مرض موته”، معتمدين في كل ذلك على سياقيْن، الأول العودة إلى أقدم المصادر، تلك المقابلة الشخصية النادرة التي أجراها زميلنا الراحل محسن حسين سنة 1957 مع حسون الأمريكي، أما السياق الثاني، فهو “تحليل المضمون”، و”المقارنة” بين ما ورد في النصوص الثلاثة المشار إليها، وغيرها أيضاً، مما حصلنا عليه في بحثنا عبر “غوغل” و”الفيسبوك”.

وقبل الشروع في تقصي “تهمة الجنون” التي تُعَدُّ أهمَّ محاور هذا “التحقيق”، دعونا ننتهي من القضايا الأخرى الأقل أهمية برمّتها: وردت في نصّ الجنابي عبارة (ويذهب إلى دوامه في كلية الزراعة). وهي مسألة لم يذكرها مصدر آخر!. وأشكر زميلي الجنابي الذي اعترف لي شخصياً أنّ العبارة ربما تكون من المرويات أو المسموعات غير الدقيقة. ووردت أيضاً عبارة (ولم يكن يسير على الرصيف، بل في الشارع وعكس سير السيارات ). ويمكن لأي إنسان طبيعي، أنْ ينظر بريبة إلى هذا السلوك، لكنّ ذلك ربما يكون لحالة استثنائية، نجهلُ سببها، ولم يكرّرها حسون، لأنّ جميع من رآه، وكتب عنه، بالغ في الثناء على طيبته، وطبيعته المسالمة، ورقة سلوكه لاسيما مع النساء، وانتقاده لظاهرة التحرّش بهن!.
ولم يبقَ من ملاحظاتنا على نص الجنابي إلا قوله: (فربّى هو الآخر، كلباً وراح يصطحبه معه في أثناء سيرة في الشوارع).. وواقع الحال أنّه لم يربِّ كلباً، بل كان الأطباء الذين يعمل معهم، يعيرونه كلابهم –على الطريقة الأوروبية التي بدأ البعض يتأثّر بها- لينزّهها، ويفرّج عنها هموم الانكفاء في البيت!. وسيرد بعض التفصيل بهذا الخصوص في نصوص أخرى.
ولا أجدُ بُدّاً من نشر نص مقتطع مما كتبه د. أكرم المشهداني، فهو ثقةٌ، علماً وسيرةً. وكان شاهدَ إثبات بما رواه عن نفسه وليس عن غيره. يقول: (في أواسط الستينات، دفعني فضول حبّ الاستطلاع إلى متابعة الشخصية الظريفة المدعو حسون الأمريكي في شارع الرشيد.كان ينزل من الباص رقم (٦) في الميدان قادماً من راغبة خاتون، حاملاً كلبه الصغير الحجم مربوطاً بحبل لسحبه، وكان يسير عبر شارع الرشيد متجهاً نحو الحيدرخانة ثم يواصل السير في الشارع حتى نهايته وعند عودته يمشي في الجهة اليسرى متجهاً نحو الميدان لركوب الباص رقم ٦ من الميدان عائداً الى راغبة خاتون.. وكان حسون ظريفاً لطيفاً يعتني بقيافته وملبسه وأناقة مشيته، ولا يرد على التعليقات الساخرة التي تصدر من بعض الشباب بل يقابلها بابتسامة لطيفة). والمدقّق في الكلام لا يرى إلا بعض سيرة رجل، عاقل، هادئ، يعرف سيره ومسارَه!.

وعدَدْنا النص الثالث لزميلنا زيد الحلّي، ذا أهمية كما هي مقابلة الزميل الراحل محسن حسين، ذلك أنّه أجرى حديثاً مع المذيع الشهير رشدي عبد الصاحب، ونقل الحلي عنه قوله:(طلب اليّ مدير المستشفى يوماً ، اختيار مجموعة من المرضى، غير العدوانيين والذين يميلون الى الدعة والانطوائية، للقيام بعمل بسيط وهو حراثة القسم الخلفي من المستشفى، وكان ترابياً، لزراعته ببعض الشتلات). فاختار حسون الأمريكي للإشراف عليهم. وهي إشارة الى أنه كان من مرضى المستشفى، لكنّه يذكر أيضاً أنّه (شغل وظيفة إدارية بسيطة في مستشفى الرشاد للأمراض العقلية ” الشماعية ” ببغداد في أوائل ستينيات القرن المنصرم). ويؤكد في حديثه للحلي قوله: “كان أحد مرضى المستشفى قبل أنْ تتحسن حالته، ويخرج نهائياً بعد تلقيه العلاج اللازم”. إلا أنّ رواية الراحل رشدي عبد الصاحب، برغم أهميتها، لم نجد ما يؤيدها، أو يكشف بأي شكل من الأشكال عن معالجة حسون الأميركي في مستشفى الأمراض العقلية.!.






