تحقيق

بغداد صنعها المعماريون ولم تحافظ عليها المدينة..

وقد شهدت بغداد، منذ أربعينيات القرن العشرين وحتى سبعينياته، تحولاً معمارياً عميقاً، ارتبط بظهور الحداثة وبعودة معماريين عراقيين درسوا في أوروبا والولايات المتحدة، وبنشوء مؤسسات التعليم المعماري والمكاتب الاستشارية. وتشير دراسات تاريخ العمارة في بغداد إلى أن تلك المرحلة كانت من أهم مراحل تشكل المدينة الحديثة.

إذا كان لا بد من اختيار اسم ارتبط بصورة بغداد الحديثة أكثر من غيره، فإن رفعة الجادرجي يقف في مقدمة القائمة. لم يكن الجادرجي يريد أن يستنسخ العمارة التراثية، بل حاول أن يستخرج منها روحاً يمكن أن تعيش داخل العمارة الحديثة.

ولد في بغداد عام 1926، وتخرج في العمارة من لندن، وعاد إلى العراق ليبدأ مشروعه المعماري والفكري الذي امتد لعقود. وأصبح مكتبه «الاستشاري العراقي» أحد المراكز المهمة في تطور العمارة العراقية الحديثة. وتشير أرشيفات أعماله إلى أنه صمم أو أشرف على عدد كبير من المباني في بغداد، وأن حضوره لم يقتصر على التصميم، بل امتد إلى التخطيط والعمل الحكومي والاستشارة المعمارية.

ومن أبرز ما تركه في بغداد نصب الجندي المجهول، ومبنى اتحاد الصناعات العراقي، ومبنى المجمع العلمي العراقي، ومبنى مصلحة التبوغ ومستودعاتها، ومبنى مجلس الوزراء، والبريد المركزي، ومصرف الرافدين، فضلاً عن عدد كبير من الدور السكنية، ومنها دار حسين جميل ودار يعسوب رفيق.

وكان الجادرجي شديد الوعي بالمناخ والبيئة البغدادية؛ فاستعاد في عدد من مبانيه الفناءات والظلال والأقواس والعناصر التي عرفتها العمارة العراقية القديمة، لكنه أعاد صياغتها بلغة حديثة. ولهذا لم تكن عمارته تقليدية، ولم تكن غربية خالصة؛ كانت محاولة لصناعة حداثة عراقية.

ولعل أجمل ما في تجربة الجادرجي أنه لم يبنِ عمارات فقط، وإنما ساهم في بناء صورة جديدة لبغداد.

أما محمد صالح مكية، فكان مشروعه مختلفاً في لغته، لكنه التقى مع الجادرجي في البحث عن هوية معمارية عراقية حديثة.

درس مكية العمارة في بريطانيا، ثم عاد إلى بغداد وأسس مكتبه المعماري، وكان من أبرز المؤسسين للحركة المعمارية والتعليم المعماري الحديث في العراق. كما ارتبط اسمه بعلاقات مهنية وفكرية مع عدد من كبار معماريي القرن العشرين، وأسهم في استقدام أفكار واتجاهات معمارية عالمية إلى العراق.وكانت بغداد بالنسبة إليه مختبراً حقيقياً للتوفيق بين التراث الإسلامي والحداثة.

أبرز أعماله البغدادية جامع الخلفاء، وكلية التربية ابن رشد في باب المعظم، وقصر الأميرات في شارع الأميرات، وفندق ريجنت بالاس في شارع الرشيد، والكلية التكنولوجية، ومكتبة ديوان الأوقاف العامة، إضافة إلى عدد من المباني والمساكن.

ويبقى جامع الخلفاء واحداً من أهم أعماله في بغداد. فقد أعاد تصميم الجامع الحديث بطريقة حافظت على المئذنة العباسية التاريخية، وجعل المبنى الجديد يتحاور معها بدلاً من أن ينافسها. هنا تظهر فلسفة مكية بوضوح: التراث ليس متحفاً مغلقاً، وإنما مادة حية يمكن أن تدخل في عمارة العصر.

ولهذا كان مكية واحداً من الذين جعلوا العمارة الإسلامية العراقية جزءاً من الحداثة، لا نقيضاً لها.

مع قحطان المدفعي أخذت العمارة العراقية منحى أكثر تعبيراً وجرأة. ولد في بغداد عام 1927، وتخرج في العمارة من كارديف البريطانية عام 1952، ثم عاد إلى العراق، وعمل في التدريس والممارسة المهنية، وأسهم في تأسيس بيئة معمارية وفنية حديثة، كما أسس مكتب (دار العمارة).

كان المدفعي ينتمي إلى جيل يرى أن المعمار لا يمكن أن يكون منفصلاً عن الفن. لذلك جاءت أبنيته حافلة بالحركة والانحناءات والتكوينات غير التقليدية.

ومن أهم أعماله في بغداد دور موظفي مصفى الدورة، ودور شركة المنصور، ومصرف الرهون، ومستشفى السامرائي، وحدائق الأوبرا، ومبنى جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، ومتحف التاريخ الطبيعي، وجامع بيت بنية، ووزارة المالية، ونصب ومنتزه 14 تموز في الكاظمية، ومدينة الألعاب قرب قناة الجيش، إضافة إلى مئات الدور والمباني الأخرى.

ويعد متحف التاريخ الطبيعي في الوزيرية من أبرز تجاربه؛ إذ جمع فيه بين كتلة هندسية هادئة وقسم علوي شديد الحركة، لتتحول العمارة إلى تكوين فني قائم بذاته. أما جمعية الفنانين التشكيليين فقد عكست علاقته الوثيقة بالفن التشكيلي، في حين يمثل جامع بيت بنية واحدة من أكثر تجاربه وضوحاً في استثمار القوس والأشكال المنحنية والتراث الإسلامي داخل لغة معمارية حديثة. ولذلك يصعب المرور في بغداد الحديثة من دون أن نرى أثراً من آثار المدفعي.

هشام منير.. العمارة بوصفها مشروعاً للمدينة

أما هشام منير فقد كان واحداً من رواد الحداثة المعمارية العراقية، ولم يقتصر دوره على تصميم المباني، بل ارتبط أيضاً بالتعليم المعماري وتكوين الأجيال الجديدة.

ولد في بغداد عام 1930، ودرس في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم في جامعة تكساس وجامعة جنوب كاليفورنيا، وعاد إلى العراق في الخمسينيات. وكان من المشاركين في تأسيس برنامج العمارة في جامعة بغداد عام 1959، كما عمل في مراحل مبكرة مع فريق والتر غروبيوس في مشروع جامعة بغداد.

ومن أبرز أعماله كلية الصيدلة في بغداد، ومبنى وزارة الداخلية، ودار الضيافة، ونادي الضباط، ومبنى نقابة المهندسين، وبلدية بغداد، وفندق عشتار شيراتون، إلى جانب مشاريع أخرى داخل العراق وخارجه. وتظهر في أعماله محاولة واضحة للجمع بين الوظيفة الحديثة والهوية المحلية.

ولم يكن منير مجرد مصمم مبانٍ؛ كان جزءاً من المؤسسة التي أسست للعمارة الحديثة في العراق. ولذلك فإن أثره لا يقاس بعدد الأبنية التي أنجزها فقط، وإنما أيضاً بالأجيال التي تعلمت العمارة على يديه وبالبيئة المهنية التي ساهم في تأسيسها.

ثم جاءت زها حديد، وكأن بغداد أرادت أن تقول إن المعمار العراقي يستطيع أن يغادر حدود المدينة ليعيد تعريف العمارة العالمية.

ولدت زها في بغداد عام 1950، درست الرياضيات في الجامعة الأميركية في بيروت، ثم العمارة في الجمعية المعمارية في لندن، وأصبحت لاحقاً واحدة من أكثر المعماريين تأثيراً في العالم. فازت بجائزة بريتزكر عام 2004، وكانت أول امرأة تحصل عليها منفردة، ثم حصلت على جوائز وتكريمات دولية عديدة. توفيت في ميامي عام 2016.

لم تنفذ زها في بغداد عدداً كبيراً من الأبنية مقارنة بالمعماريين الأربعة السابقين، لكن علاقتها ببغداد كانت أعمق من عدد المشاريع. فهي ابنة هذه المدينة، ومنها خرجت رؤيتها الأولى للمكان والفضاء والحركة.

ومن أبرز مشاريعها العراقية مبنى البنك المركزي العراقي الجديد في بغداد، وهو مشروع ضخم في منطقة الجادرية يحمل لغتها المعمارية المعروفة بالحركة والانسيابية والكتل المتداخلة. كما ارتبط اسمها بمشاريع أخرى في العراق لم تنفذ، لكنها بقيت جزءاً من رؤيتها لمدينة بغداد ومستقبلها. وهكذا انتقلت بغداد مع زها من كونها مكاناً أنتج المعمار إلى كونها مصدر إلهام لمعمار عالمي.

خمسة معماريين.. مدينة واحدة

إذا نظرنا إلى هؤلاء الخمسة معاً، سنكتشف أنهم لم يكونوا مدرسة واحدة بالمعنى الضيق. رفعة الجادرجي بحث عن الحداثة العراقية من خلال إعادة صياغة عناصر المكان؛ محمد مكية حاول أن يجعل التراث الإسلامي شريكاً في صناعة الحداثة؛ قحطان المدفعي دفع العمارة نحو التعبير والنحت والحركة؛ هشام منير ربط العمارة بالتعليم وبمشروع المدينة الحديثة؛ أما زها حديد فقد نقلت الخيال المعماري العراقي إلى فضاء عالمي غير مسبوق.

ولهذا فإن الحديث عنهم ليس حديثاً عن خمسة معماريين فحسب، بل عن خمس طرق لرؤية بغداد.

كان الجادرجي يرى بغداد في ظلها وموادها وذاكرتها. وكان مكية يراها في مآذنها وأقواسها وتراثها الإسلامي.

وكان المدفعي يراها في الحركة والفن والتكوين. وكان هشام منير يراها مدينة حديثة تحتاج إلى مؤسسات ومعرفة وأجيال جديدة. أما زها حديد فرأتها من المستقبل، مدينة يمكن أن تتحول فيها الخرسانة والفولاذ إلى حركة وحلم.

ومن هنا يمكن القول إن بغداد الحديثة لم تُبنَ بالخرسانة وحدها؛ بُنيت أيضاً بالأفكار.

مقالات ذات صلة