الهُويّة بين الذاكرة والمنفى في رواية المحبوبات لعالية ممدوح



تحتلّ الهُويّة موقعًا مركزيًّا في الدراسات الثقافيّة وما بعد الكولونياليّة؛ لأنها تمثّل مجالًا تتقاطع فيه السلطة والتاريخ والذاكرة والانتماء والخصوصيّات الثقافيّة، ويظهر الصراع حولها بوضوح في المجتمعات التي مرّت بتجارب الاستبداد والحروب والهجرة والإقصاء. وتبرز الرواية، بوصفها فنًّا قادرًا على تمثيل إشكاليّة الهُويّة، وكشف التحوّلات التي تطرأ على الذات الفرديّة والجمعيّة، من خلال تجاوز حدود التوثيق التاريخي إلى مساءلة الخطابات التي أنتجت تلك التحوّلات، والكشف عن البنى الثقافيّة الكامنة خلفها.
على صعيد الدراسات الثقافيّة نجد «أن الهُويّة ليست ثابتة، بل هي تتحوّل بمرور الوقت، وتُحْدِث في السلوك البشري تغييرات عميقة»([1])، فهي بناء اجتماعي وتاريخي، يخضع لمنطق الإيديولوجيا والسلطة، ويتشكّل على وفق مقتضيات علاقات القوّة والسيطرة. إذ «يتحدّد موقع الهُويّة، وإلى حدّ بعيد، بأثر السلطات الفاعلة ضمن الحيّز الاجتماعي. ويلتبس كلّما احتدمت صراعات السلطات في ذلك الحيّز. فموقع الهُويّة يعكس موقع المرء والجماعة في خريطة الصراعات»([2]). فكلّما تعرّض المجتمع لصدمة تاريخيّة كبرى، أصبحت الهُويّة أقلّ ثباتًا وأكثر عرضة لإعادة التشكيل. فالاستبداد يعيد تعريف الهُويّة من أجل تدجينها، والحرب تمزّقها، والهجرة تعيد تركيبها، والإقصاء يحوّلها إلى وسيلة للمقاومة.
تكتسب روايات الشتات أهميّة خاصّة في دراسات الهُويّة؛ لأنها تنطلق من فضاء تتصارع فيه الذاكرة مع الواقع، ويكون الوطن موضوعًا للسرد والاستعادة. فالمنفى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) الهُويّات القاتلة: 24.
الذي يبدأ بانتقال الجسد من مكان إلى آخر، يفضي إلى إعادة تشكيل الوعي بالذات، وإعادة تعريف الانتماء، ومراجعة العلاقة مع التاريخ والهُويّة. ولهذا ارتبط أدب الشتات، في كثير من نماذجه، بمحاولات استعادة الذاكرة الثقافيّة، ومقاومة محوها، واستحضار المكان الأول بوصفه مرجعيّة تستمر في إنتاج المعنى حتى بعد مغادرته.
أمّا إذا أردنا تخصيص الحديث عن الهُويّة الأنثويّة، فيمكن في البدء تحديدها بيولوجيًّا، باختلافها التكويني عن الرجل، في الجسد والعواطف والميول والأفكار، وغيرها مّما تختصّ به المرأة دون الرجل. كما تتشكّل، ثانيًا، بوصفها بناءً ثقافيًا وتاريخيًا، يتأثّر بخطابات السلطة، فتختلف عن الهُويّة الذكوريّة على أساس الأدوار والوظائف الاجتماعيّة الموكلة بها([3]). وقد جرى تمثيلها في النصوص الأدبيّة، وفي الخطابات الأخرى، فكانت، وما زالت، مجالًا للصراع بين خطابات الهيمنة الأبويّة وبين حركات المقاومة الثقافيّة، التي لا شكّ في أن ما بعد الكولونياليّة من ضمنها، التي تناهض الاستعمار والاستعباد بكلّ أشكاله.

الرؤية الثقافيّة في رواية المحبوبات:
تندرج رواية (المحبوبات) للكاتبة العراقيّة عالية ممدوح ضمن هذا الأفق الثقافي؛ إذ تتحرّك شخصيّاتها بين العراق والمنفى، وتحمل معها تاريخًا مثقلًا بالحروب والحصار والهجرة، فتتحوّل تجربة الشخصيّة إلى مدخل لقراءة تاريخ جماعي، وتتأثّر الهُويّة بالسلطة والعنف والفرار من الوطن. وتستثمر الرواية هذا التشابك بين الخاص والعام لتقديم رؤية ثقافيّة تجعل المرأة مركزًا لتمثيل الذاكرة العراقيّة، ولواقع المنفى، كما لو أنها فضاء حيويّ تتجسّد فيه آثار التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة التي عاشها العراق خلال العقود الأخيرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([3]) يُنظر: السرد النسوي: 11.
تّتخذ الرواية موقع المقاومة لمحاولات محو الذاكرة الثقافيّة، وحفظ السرديّات التي تعرّضت للتهميش بفعل السلطة أو الحرب أو المنفى. وهي بذلك تستجيب لرؤية الدراسات ما بعد الكولونياليّة التي تثبت أن الهُويّة عمليّة مستمرّة من التشكّل، تتأثّر بالتحوّلات التاريخيّة التي يعيشها الأفراد والجماعات، وهي قابلة للتفاوض والتبدّل، كلّما تعرّض المجتمع إلى الاحتلال أو الحروب أو الهجرة القسريّة. فقد «نجد أنفسنا في لحظة انتقال حيث يتقاطع الفضاء والزمان ليُحدثا صورًا معقّدة من الاختلاف والهُويّة»([4]). وهنا تتراجع فكرة الهُويّة الصلبة، لتحلّ محلّها هُويّة تتحرّك بين فضاءات متعدّدة، وتعيد إنتاج ذاتها عبر الذاكرة واللغة والحنين واستعادة الماضي.
تقدّم (المحبوبات) نموذجًا واضحًا لهذا التداخل؛ إذ تتشكّل هُويّة شخصيّاتها داخل فضاء المنفى، وتبقى بغداد حاضرة في الوعي السردي، كأنها ذاكرة ثقافيّة للشخصيّات. فهي تستمر في الحضور في الذكريات والحكايات، وتصبح عنصرًا مهمًّا في تشكيل الهُويّة، لذلك تحتفظ الشخصيّات بعلاقة وجدانيّة عميقة مع المدينة. ويصبح استدعاؤها فعلًا ثقافيًّا يقاوم الاغتراب. فنجد أن الرواية تعود إلى بغداد مرارًا، فتجعل منها فضاءً للتمثيل التاريخي([5])، إذ تقول: «بغداد. آه من تلك المدينة (…) المدينة غارقة بالظلام والأنين (…) الموتى هناك لا يُحصون (…) النسوة يرتدين الملابس السوداء لا كطقس مأتمي فقط، وإنما لأن الأسود كلونٍ، غدا حزام الأمان وطوق النجاة، كأنهن ينتظرن ما هو أسوأ ويتحضّرن له»([6])، وهذه العبارات تجسّد واقع المرأة العراقيّة من الطبقات الاجتماعيّة التي ذاقت طعم الفقد بسبب الحروب والإعدامات والهجرة، حتى كأن بغداد، ومدن العراق كلّها، تعيش حالة حزن عامّة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([4]) موقع الثقافة: 41.
([5]) يُنظر: موسوعة السرد العربي معاينات نقديّة ومراجعات تاريخيّة: 212.
بسبب سلطة البعث الجائرة. وتكون الهُويّة الأنثويّة مشروع مواجهة ورفض لها، ولو بارتداء السواد، والمرأة معادلًا للهُويّة العراقيّة والمدنيّة المنكسرة.
تقترن هذه الرؤية بحضور واضح للتاريخ العراقي، الذي يكون في الرواية خلفيّة زمنيّة للأحداث، وقوّة فاعلة في تشكيل الشخصيّات. فالحروب، والحصار، والقمع السياسي، والهجرة، وتجربة الأسر، وفقدان الأحبّة، جميعها تدخل في بناء الوعي الأنثوي، وتؤثّر في إدراك المرأة لذاتها وللعالم المحيط بها. ولهذا تحمل الشخصيّة الروائيّة ذاكرة جماعيّة، تتجاوز تجربتها الخاصّة، وتمثّل شريحة واسعة من العراقيّات.

الهُويّة الأنثويّة بين الذاكرة والمنفى:
يرى إدوارد سعيد أن المنفى هو صدع قسريّ لا يمكن رأبه، بين الإنسان وبيئته الأصليّة، بين الذات وموطنها الحقيقي، ولا يمكن التغلّب على ما يثيره من أحزان ولواعج([7]). هذه المشاعر التي تجسّدها تجربة المنفى تقوم بدور فاعل في تشكيل الهُويّة في رواية (المحبوبات)، إذ تبدو نتاج تداخل التجربة الفرديّة للشخصيّات مع التاريخ الجمعي العراقي، كما نجد أن هُويّة المرأة ليست بمعزل عن التحوّلات التي أصابت المجتمع، وتركت أثرها في وعيها وسلوكها وذاكرتها. فهي حصيلة مسار طويل من التفاعل مع الحروب والمنفى والخسارات المتراكمة، تتجاوز حدود الانتماء الشخصي إلى تمثيل خزين ثقافيّ مشترك عاشه العراقيّون خلال عقود طويلة. ولذا ترى الرواية في الهُويّة بنية هجينة، تتأثّر باستمرار بالوقائع التاريخيّة، وتعيد إنتاج ذاتها كلّما تعرّضت الذاكرة إلى تحدّيات جديدة.
منذ الصفحات الأولى للرواية تتحدّث سهيلة عن تجربة النساء العراقيّات مع العنف بقولها: «الشيء المذهل، أننا كنسوة، نبدو وكأننا صفحنا عن كلّ شيء، الألم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([7]) يُنظر: تأمّلات حول المنفى: 117.
الشديد، الرفسات في القفا والهراوات العسكريّة»([8]). فهذا الخطاب عندما يصف تجربة الشخصيّة، يعبّر أيضًا عن ذاكرة جماعيّة تراكمت داخلها صور السلطة والعنف، حتى أصبح الصفح نفسه وسيلة للتعايش مع واقع يستمر في إنتاج الألم. وبهذا يتحوّل الجسد الأنثوي إلى سجلّ ثقافيّ يحمل آثار السلطة، ويكشف الكيفيّة التي تنتقل بها الهيمنة من المجال السياسي إلى تفاصيل الحياة اليوميّة.
فالرواية عندما تقدّم المرأة ضحيةً للعنف، تجعلها شاهدة على التاريخ، وحافظة لذاكرته. وهذه الذاكرة تؤدّي وظيفة ثقافيّة تّتصل بمقاومة النسيان، وتعمل على استعادة الوقائع التي تعرّضت فيها للتهميش أو الإقصاء، لذلك تحرص الشخصيّات على إعادة سرد تفاصيل الحرب والأسر والحصار، وكأن السرد ذاته يمثّل فعلًا من أفعال المقاومة الثقافيّة. وهذا يؤكّد احتفال «روايات عالية ممدوح بالذات الأنثويّة على خلفيّة النفي والاغتراب المزدوج، ويبرز هذا الاحتفال في (المحبوبات). كأن هذا النفي يصل إلى ذروته ويؤول إلى بديل هو عالم الأنوثة المهيمن في هذه الرواية»([9]).
يبرز انشغال سهيلة بقضيّة الأسرى العراقيّين، حين تقول: «يا نادر، أرسلت عشرات الخطابات إلى المنظّمات الإنسانيّة حول موضوع الأسرى العراقيّين. لا نعرف من هو المسؤول، لا أحد يستطيع أن يحدّد مسؤوليّة ذلك الأمر المروّع»([10]). ويكشف هذا الموقف عن انتقال الشخصيّة من دائرة الهمّ الفردي إلى المجال الإنساني العام، فتتحوّل المرأة إلى فاعل ثقافي يسعى إلى مساءلة المؤسّسات الدوليّة والسلطات السياسيّة، ويمنح القضيّة بعدًا أخلاقيًّا يتجاوز حدود الانتماء الشخصي.
كما يكشف الحضور المستمر لبغداد .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([8]) المحبوبات: 9.
([9]) الرواية العربية المتخيّل وبنيته الفنية: 238.
إن المكان في الرواية يؤدّي وظيفة ثقافيّة تتجاوز حدوده الجغرافيّة، متحوّلًا إلى بوتقة تغلي فيها الذكريات، وإلى علامة تشير إلى مكامن الهُويّة. ولهذا يرد في الرواية: «تجلب بغداد دائمًا التي كانت إلى كلّ مكان عشنا فيه لكي تحتمل، لكي تبقى ولا تموت. إذا كان ثمّة شيء صرع سهيلة فهو بغداد»([11]). ويمنح هذا الخطاب المدينة حضورًا يتجاوز كونها موضعًا للأحداث، لتصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل الشخصيّة، ومصدرًا تستمدّ منه قدرتها على الاستمرار. فبغداد تبقى حاضرة داخل المنفى، وترافق الشخصيّات كما ولو كانت وطنًا متخيّلًا، تستعيده الذاكرة كلّما اشتدّ عليها الإحساس بالغربة.
وتنسجم هذه الصورة مع تصوّرات النقد ما بعد الكولونيالي التي تنظر إلى المنفى بوصفه فضاء يعيد إنتاج الوطن داخل الذاكرة، ويمنح الهُويّة شكلًا سائلًا، طبيعته الحركة المستمرّة بين مكانين وثقافتين وزمنين. وقد يصحّ القول عن هذه الحال: إن «النموذج الشخصيّ في البحث عن هُويّة المرء يصبح نموذج الحرباء في تلوّنها»([12]). فالهُويّة تتجاذبها قوى الماضي والحاضر، والوطن والمنفى، والذاكرة والواقع، الأمر الذي يجعل الشخصيّات تعيش حالة ارتباك وتمزّق ثقافي.

دور السلطة والحرب في تشكيل الهُويّة الأنثويّة:
تتحرّك الهُويّة الأنثويّة في رواية (المحبوبات) داخل فضاء تتشابك فيه السلطة السياسيّة مع الحرب والمنفى، فتكون هذه العناصر مجتمعة من أهمّ القوى الفاعلة في إعادة تشكيل الذات. فالرواية تقدّم الحرب بوصفها حدثًا تاريخيًّا صاغ بنية ثقافيّة أثّرت كثيرًا في الذاكرة الفرديّة والجمعيّة، وفي العلاقات الاجتماعيّة، وفي اللغة، وفي تصوّر الإنسان لذاته وللآخرين. ومن ثمّ فإن قراءة الهُويّة الأنثويّة تقتضي النظر إلى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([11]) المحبوبات: 150.
الحرب على أنها أحد التحوّلات التي أعادت صياغة المجتمع العراقي، وأثّرت في تمثّلات المرأة وموقعها الاجتماعي.
في هذا السياق يأتي تصوير الكاتبة لامتداد آثار الحرب إلى الحياة اليوميّة، ونتائجها المرئيّة في القتل والدمار، وكذلك في ما لا يُرى، ويشمل الانكسارات والصدمات النفسيّة والاجتماعيّة التي ترافق الإنسان زمنًا طويلًا. ولهذا تّتخذ الذاكرة موقعًا محوريًّا في السرد؛ لأنها تستعيد الأحداث على صورة جراحات ما زالت حاضرة في الوعي، وتعيد تأويلها من منظور المرأة التي عاشت تلك الوقائع وتحمّلت أوجاعها. وهو ما يفضي إلى أن الحروب تنتهي ظاهريًّا بانتهاء المعارك، لكنها تستمرّ باطنيًّا في تشكيل الوعي الفردي والجمعي، وتصبح جزءًا من بنية الهُويّة ذاتها.
يظهر ذلك بوضوح في المشهد الذي تستعيده الرواية عن صور الحرب، فتقول: «أثناء الحرب، كان بلدكم يضرب من جميع الجهات، حتى من فرنسا. نزلت إليها فجرًا، وشاهدتها تبكي بصمت في الممر، عانقتها وبكينا معًا»([13]). وتحمل هذه الصورة أكثر من مستوى دلالي؛ فالبكاء بلا شكّ يمثّل استجابة عاطفيّة لحادثة مؤثّرة، وهو يكشف عن اشتراك النساء في ذاكرة جمعيّة تقوم على الإحساس بالمصير المشترك. لكنّ العاطفة هنا تكاد تتحوّل إلى شكل من أشكال الوعي الثقافي؛ لأن الحرب استهدفت المجتمع بأكمله، وخسائرها تجاوزت حدود الأفراد لتصيب معنى الوطن كلّه.
يتعزّز هذا الوعي مع تفسير الطبيبة النفسيّة للحالة التي تعيشها سهيلة، حين تربط اضطراباتها النفسيّة بظروف الحرب وفقدان الزوج والعنف الأسري، فتشير إلى أن تراكم هذه النكبات أسهم في تعميق أزماتها الداخليّة. وتكتسب هذه الإشارة أهميّتها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([13]) المحبوبات: 129.
من كونها تضع التجربة الفرديّة داخل سياق اجتماعي وسياسي أوسع، فالألم يتولّد من اجتماع منظومة كاملة من الضغوط التي فرضها الواقع العراقي خلال سنوات طويلة. وبهذا تصبح الشخصيّة الروائيّة نتاجًا لظروف تاريخيّة وثقافيّة معقّدة. فهي تعلّق الاضطرابات التي تعاني منها المرأة، على أسباب ذاتيّة وخارجيّة، وهذه الأخيرة قد تكون الأقوى تأثيرًا في تعديل سلوكها وبعض عناصر هُويّتها؛ إذ تقترن هذه الهُويّة ببنية اجتماعيّة وسياسيّة، وهي كما يظهر في الرواية، بنية معطوبة، تعبّر عن واقع مأزوم «خلق حالة الخراب والاضطراب التي بات يعيشها الفرد العراقي، نتيجة لاضطرابات الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة»([14]).
ومن هذا المنظور، كانت الحرب إحدى أدوات السلطة في إعادة تشكيل المجتمع. فهي تفرض أنماطًا جديدة من العلاقات، وتغيّر سلّم القيم، وتعيد توزيع الأدوار الاجتماعيّة تبعًا لمتطلّبات المرحلة. ولهذا تحمل المرأة في الرواية مسؤوليّات تتجاوز الأسرة، فتدخل فضاء الانتظار والبحث عن المفقودين، ورعاية الأبناء، والحفاظ على تماسك الأسرة، واستعادة ذاكرة الغائبين. وتكشف هذه التحوّلات عن انتقال الهُويّة الأنثويّة من موقعها التقليديّ إلى أن تكون شاهدة على التاريخ، ومشاركة في إنتاج معناه.
تّتضح آثار السلطة أكثر عندما تنتقل الرواية إلى الحديث عن آليّات الإقصاء السياسي، إذ تورد حكاية المرأة التي حصلت على شهادة في الإعلام، ثمّ اصطدمت بشرط الانتماء الحزبي للعمل في الصحافة، فتقول: «آني عراقيّة بس، شنو حزبيّة، العراق حزبي!»([15]). فتؤكّد هذه العبارة طبيعة الصراع بين الهُويّة الوطنيّة والهُويّة التي تفرضها السلطة. فالمرأة تعلن انتماءها إلى العراق بوصفه فضاء جامعًا، في حين تعمل السلطة على اختزال المواطنة في الولاء الحزبي، وتّتخذ هُويّة رسميّة تصبح بمثابة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([14]) الرواية العراقيّة صورة الوجع العراقي: 27.
أداة لإعادة توزيع الفرص والحقوق، ويصبح الانتماء السياسي شرطًا للوجود الاجتماعي.
تفتح هذه الواقعة بابًا لقراءة الرواية في ضوء النقد ما بعد الكولونيالي، الذي يعاين دور السلطة في إنتاج الخطاب والهُويّات. فالهيمنة تمارس بالقوّة الماديّة، مثلما قد تتحقّق أيضًا بفرض تعريف معيّن للمواطنة والانتماء، فتغدو الهُويّة مجالًا للصراع بين ما تفرضه المؤسّسات الرسميّة وما يسعى الأفراد إلى الاحتفاظ به من انتماءات أثنيّة أو عقديّة أو غيرها. ولهذا تبدو المرأة في (المحبوبات) منخرطة في مواجهة مستمرّة مع السلطة. فعندما تصف الرواية علاقة السلطة بالمجتمع تقول: «نَسِيَنَا النظامُ، إلا حين يتعلّق الأمر بإعادة الانتخاب. الدولة تمسك برقابنا بواسطة الآمال الكبيرة»([16]). ويكشف هذا الخطاب عن وعي نقدي بطبيعة السلطة التي تسوّق نفسها بالوعود والشعارات البرّاقة، وتسعى إلى احتواء المجتمع من خلال صناعة الأمل والوهم. فالسلطة تريد إعادة صياغة الهُويّة داخل خطاب سياسي يعمل على دمج الجميع في صورة واحدة، مع تقليص الفوارق الفرديّة التي تمنح المجتمع تعدّده الثقافي.

الهُويّة الأنثويّة بوصفها خطابًا:
تتجاوز الهُويّة الأنثويّة في رواية (المحبوبات) حدود التجربة الفرديّة لتمثّل خطابًا ثقافيًّا يعيد مساءلة العلاقة بين الوطن والمنفى، والذاكرة والتاريخ، والسلطة والذات. فالمرأة التي تحمل آثار الحروب والحصار والهجرة، تأخذ دور إعادة بناء الذاكرة العراقيّة بوساطة السرد، فتتحوّل الحكاية إلى وسيلة لحفظ التجربة الجمعيّة من التلاشي، وإلى فعل ثقافي يعيد إنتاج الانتماء خارج الحدود الجغرافيّة للوطن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([16]) المحبوبات: 187.
تبدو الذاكرة ممرًا للتاريخ الشفاهي الذي تّتخذه الرواية مرجعًا لها في كثير من مفاصلها، وهذه الذاكرة مشبعة بحكايات الوطن ومآسيه، لهذا السبب تصاب سهيلة بالحزن الشديد عندما تشاهد بعض وقائع الحرب. تقول: «حاولتُ أن أمسك دموعي. كنت أرتعد وأنا أسمع صوت المارشات العسكريّة وصواريخ أرض جو، وأشاهد ألوان الحرائق في سماوات بلدي»([17]). تصبح الأنثى مرآة لمخاوف جماعيّة، ومجالًا لتمثيل حروب العراق وويلاتها، ويظهر أثرها جليًا في جسدها، في بكائها وارتجافها، فتجسّد بذلك هُويّة الأنثى الخائفة، من أجل شعورها بالخطر الذي يهدّد أبناء بلدها، كأن جسدها يستجيب لآلام الجسد الوطني وأوجاعه.
تتذكّر أيضًا قصف ملجأ العامريّة، وهو الحدث الذي يحتلّ مكانة رمزيّة في الذاكرة العراقيّة. فالمرأة تستعيد الواقعة وكأنها شرخ في الوعي الجمعي. وتأتي الإشارة إلى انتشال مئات الجثث من الملجأ لتعيد موضعة موقع المرأة في التاريخ، إذ تتحوّل الشخصيّة الأنثويّة إلى حاملة لذاكرة الضحايا، وذكرياتها نفسها هي بمنزلة الرد والموقف.
منحت الرواية للمرأة سلطة السرد، فكان دورها أن تكون صدى لأصوات المهمّشين، وأن تعمل على تأويل الأحداث من منظور إنساني وثقافي. وبهذا جسّدت الرواية تصوّرات النقد ما بعد الكولونيالي التي تنظر إلى السرد بوصفه مجالًا لاستعادة أصوات المقصيّين والثانويّين، وتمثيل أزمات الهُويّة في مواجهة خطابات الهيمنة.
الخاتمة:
كشفت رواية (المحبوبات) أن الهُويّة الأنثويّة تمثّل فضاء ثقافيًّا تتجسّد فيه آثار الحروب والاستبداد والغربة. وقد أظهرت القراءة أن السرد يعيد بناء التجربة النسويّة في
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([17]) المحبوبات: 222.
إطار الذاكرة العراقيّة الجمعيّة، فيمنح المرأة موقعًا فاعلًا في حفظ التاريخ وتأويله، ويجعلها حاملة لخطاب يواجه التهميش، ويقاوم محاولات محو الهُويّة.
كما بيّنت الرواية أن المنفى قد لا يفضي إلى انفصال الذات عن الوطن، إذ قد تعمل الذاكرة على تجسير العلاقة بينهما، فتتحوّل بغداد، مثلًا، إلى رمز تستمدّ منه الشخصيّات شعورها بالانتماء، بسبب ما يستدعيه من حمولات ثقافيّة. ومن هذا المنظور يلتقي الخطاب النسوي مع الخطاب ما بعد الكولونيالي في تمثيل الذات وهي تواجه ظروف الاحتراب والاستبداد والاغتراب، وتسعى إلى إعادة بناء هُويّتها في ظلّ هذه التحدّيات.
الرواية، إذن، قدّمت نموذجًا سرديًّا تتداخل فيه الذاكرة والمنفى والهُويّة ضمن رؤية ثقافيّة، تعيد مساءلة التاريخ والواقع من منظور المرأة، وتكشف قدرة السرد على مقاومة الإقصاء، وإنتاج خطاب ثقافي يحافظ على الذاكرة الجمعيّة، ويعزّز الانتماء، في مواجهة نوازع التشظّي والمحو وتذويب الهُويّة.





