“جوهر قرار” رفع سعر صرف الدولار بلغة نقدية هادئة ومباشرة..



تستطيع الحكومة (التي يناهز عمرها نصف قرن، ضمن مسارها المتشابه في جهله وجاهليته)، من خلال رفع سعر الدولار، الحصول على إيرادات أكبر بالدينار مقابل عائداتها النفطية، الأمر الذي قد يساعدها على مواجهة بعض التزامات الموازنة. لكن هذه المعادلة المالية تحمل وجهاً آخر أقل ظهوراً في الحسابات الحكومية، يتمثل في ارتفاع كلفة الاستيراد، وانعكاس ذلك على أسعار السلع الغذائية والمواد الأساسية، بما يؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطن، ولا سيما أصحاب الرواتب الثابتة والمتقاعدين ومحدودي الدخل. هذا يعني أنّ المواطن البسيط، سيتحمّل وزرين، لا وزراً واحداً!!.
هنا تتجلى المفارقة الاقتصادية والاجتماعية: ما قد يمثل مكسباً مالياً للخزينة العامة يمكن أن يتحول “مربحٍ” لمن ما فتئ يسرق من الميزانية العامة، وإلى خسارة معيشية للأسر العراقية، والمؤكد أنّ السياسة النقدية لن تقترن بإجراءات فعالة للحماية الاجتماعية وضبط الأسواق، فالمواطن الذي لا يملك وسيلة لزيادة دخله يجد نفسه مضطراً إلى تحمل نتائج قرار لم يكن طرفاً في صنعه، فيما تصبح احتياجاته اليومية أكثر كلفة وقدرته على الوفاء بالتزاماته أكثر محدودية.

ولا تقلُّ خطورةً عن ذلك سرعة استجابة بعض الأسواق لقرارات تغيير سعر الصرف، إذ قد تتحول هذه القرارات إلى ذريعة لزيادات سعرية لا تتناسب دائماً مع الكلف الفعلية للاستيراد. وهنا تبرز مسؤولية الحكومة في مكافحة الاحتكار والاستغلال التجاري، والتمييز بين الارتفاع المبرر في التكاليف والزيادات التي تستهدف توسيع الأرباح على حساب المستهلك. سينادي الشعب بذلك، ولكنْ لا حياة لمن تنادي!!
إن المشكلة الأعمق لا تكمن في سعر الدولار وحده، بل في بنية الاقتصاد العراقي الذي ظل رهين النفط والاستيراد، من دون أن يحقق تقدماً كافياً في تنويع مصادر الدخل أو بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تقليل تعرضه للصدمات الخارجية. ومن ثم، فإن معالجة الاختلالات المالية من خلال تغيير سعر الصرف، من دون إصلاحات اقتصادية متكاملة، قد تخفف بعض الضغوط الآنية على الدولة، لكنها لا تقدم حلاً مستداماً لمشكلاتها البنيوية.





