



ولهذا أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع المترجم أن ينقل الكلمات؟ بل: هل يستطيع أن ينقل الإنسان الذي يقف خلف هذه الكلمات؟ الكلمة لها وطن. كل لغة تحمل في داخلها ذاكرة أصحابها. هناك كلمات نستطيع أن نجد مقابلها في القواميس، ولكننا لا نستطيع دائماً أن ننقل روحها. قد تكون الكلمة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في ثقافة معينة تاريخاً طويلاً أو إحساساً خاصاً أو صورة ذهنية لا توجد بالدرجة نفسها في اللغة الأخرى. وهنا تبدأ مهمة المترجم الحقيقية. فهو لا يسأل فقط: ما معنى هذه الكلمة؟ بل يسأل أيضًا:ماذا تعني هذه الكلمة لهذا المجتمع؟ وماذا يشعر القارئ عندما يقرأها؟ وهذا هو الفرق بين ترجمة صحيحة من الناحية اللغوية، وترجمة حية من الناحية الإنسانية.
بين الحرف والروح
من أكثر الأسئلة التي رافقت الترجمة عبر تاريخها:
هل نترجم حرف النص أم روحه؟ الترجمة الحرفية قد تكون أمينة للكلمات، لكنها في بعض الأحيان تكون بعيدة عن المعنى الذي أراده الكاتب وفي المقابل، إذا ابتعد المترجم كثيراً عن النص بحجة نقل الروح، فقد يتحول من مترجم إلى مؤلف آخر.
إذن أين يقف المترجم؟ أعتقد أن المترجم يقف في منطقة دقيقة بين الاثنين: أمين للنص، ولكن ليس أسيراً للحرف. وهذه المنطقة هي التي تجعل الترجمة فناً، لا مجرد تقنية.
المترجم… قارئ من الدرجة الأولى
هناك حقيقة ربما لا تحظى بما يكفي من الاهتمام: المترجم الجيد يجب أن يكون قارئاً جيداً قبل أن يكون مترجماً جيداً. عليه أن يقرأ ما وراء النص. إذا ترجم رواية، فعليه أن يفهم عصرها ومجتمعها وشخصياتها. وإذا ترجم نصاً تاريخياً، فعليه أن يعرف سياقه التاريخي. وإذا ترجم شعراً، فعليه أن يسمع الموسيقى الموجودة في اللغة، لا أن يرى الكلمات فقط. ولهذا يمكن القول إن المترجم يقرأ النص مرتين: مرة بعين القارئ، ومرة بعين المترجم. وربما يحتاج أحياناً إلى أن يقرأه للمرة الثالثة بعين الإنسان الذي سيصل إليه النص. الترجمة ليست فقط وسيلة للتواصل، وإنما يمكن أن تكون وسيلة لإعادة اكتشاف الآخر.
فكثير من الشعوب لم تتعرف إلى أدب الشعوب الأخرى إلا من خلال الترجمة. ومن خلالها انتقلت الرواية والشعر والفلسفة والتاريخ والأفكار. وقد يكون كتاب واحد مترجم قادراً على أن يغير صورة مجتمع كامل في ذهن قارئ لم يلتقِ بأفراده يوما.
ولهذا فإن المترجم يتحمل مسؤولية ثقافية.

فهو يستطيع أن يقرب المسافات بين البشر، لكنه يستطيع أيضاً، إذا أخطأ في فهم السياق أو الثقافة، أن يخلق صورة مشوهة عن الآخر. ومن هنا تصبح الترجمة جزءاً من الحوار بين الحضارات. إنها لا تقول للإنسان: كن مثلنا.بل تقول له تعال لنعرف بعضنا بعضاً وهذه، في رأيي واحدة من أجمل وظائف الترجمة.
المترجم… ذلك الحاضر الغائب، هناك مفارقة جميلة في مهنة الترجمة. كلما نجح المترجم، اختفى ،القارئ يقرأ النص ولا يفكر غالباً في الشخص الذي نقله إليه. وإذا كانت الترجمة جيدة، يشعر القارئ أن الكاتب يتحدث إليه مباشرة. وهنا يصبح المترجم حاضراً في النص وغائباً عنه في الوقت نفسه. إنه يشبه الجسر. والجسر الناجح هو الذي يعبر عليه الناس دون أن ينشغلوا بمواد بنائه. لكن هذا لا يعني أن عمل المترجم بسيط. بل على العكس إن اختفاء المترجم أمام القارئ هو نتيجة جهد كبير، وليس دليلاً على سهولة المهمة.
ماذا يحدث عندما تدخل الآلة؟
نحن نعيش اليوم مرحلة جديدة. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يترجم في ثوانٍ ما كان يحتاج إلى وقت طويل. وهذا تطور مهم لا يمكن تجاهله. لكن السؤال الذي أراه أكثر أهمية: هل ستلغي الآلة المترجم؟ بل ما الذي يبقى للإنسان عندما تستطيع الآلة ترجمة الكلمات؟ أعتقد أن الجواب يكمن في الأشياء التي لا تظهر بسهولة في الكلمات. السياق.النبرة.الإيحاء.المفارقة.المرجع الثقافي.الصمت الموجود بين الجمل.
والسؤال الأهم: لماذا قال الكاتب هذا بهذه الطريقة؟ قد تستطيع الآلة أن تقدم ترجمة سريعة ومقبولة لغوياً، لكن مسؤولية الاختيار النهائي تظل مرتبطة بالإنسان، خصوصاً عندما تكون الترجمة أدبية أو تاريخية أو ثقافية أو سياسية أو ذات أثر إنساني حساس. ولهذا لا أرى مستقبل الترجمة بوصفه صراعاً بسيطاً بين الإنسان والآلة. بل أراه شراكة جديدة، يكون فيها على المترجم أن يعرف كيف يستخدم التقنية دون أن يتنازل عن مسؤوليته. فالآلة قد تساعدنا في نقل الكلمات. لكن الإنسان هو الذي يجب أن يسأل: هل نقلنا المعنى؟ وهل نقلنا معه الإنسان؟
الترجمة ليست بين لغتين فقط، ربما علينا أن نعيد تعريف الترجمة. فالترجمة ليست انتقالا بين لغتين فحسب. إنها انتقال بين: ثقافتين، وزمنين، وذاكرتين، وأحيانًا بين رؤيتين مختلفتين للعالم. ولهذا فإن المترجم لا يعمل بين قاموسين فقط، وإنما يعمل بين عالمين. وكلما اتسعت معرفة المترجم بالعالمين، أصبحت ترجمته أكثر إنسانية.





