“الأتمتة الذكية” وصلت إلى أبواب الأدباء والكتاب والسياسيين!!



عندما يتعلق الأمر بالكلمة المكتوبة، لا يمكن لأي كاتب أن يكون طرفا محايدا. فقد أشادت هذه الصحيفة بالتقدم التكنولوجي طوال قرنين تقريبا. وسيكون من غير اللائق أن تتحول الآن إلى موقف معاد للتكنولوجيا، لمجرد أن ذئاب الأتمتة وصلت إلى بابنا نحن. ومع ذلك، ينبغي لكل من الكتاب والقراء أن يتريثوا قبل تسليم القلم إلى الذكاء الاصطناعي.
الخطب التي يكتبها الذكاء الاصطناعي
تستولي على السياسة
لا شك في أن الاستيلاء على بعض أنواع الكتابة بواسطة الذكاء الاصطناعي قد يكون أمرا مرحبا به: مثل شكاوى خدمة العملاء، أو الكتابات التقنية التي يكون فيها الوضوح هو كل شيء. والمهم في مثل هذه الحالات هو الكشف عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتأكد من أن الإنسان الذي يحمل اسمه النص لا يزال يتحمل المسؤولية عنه.
وسيكون الكتاب من مختلف الأنواع قد ألحقوا ضررا بقرائهم إذا لم يستخدموا نماذج الذكاء الاصطناعي في البحث، والتدقيق اللغوي، وعندما يكون ذلك مناسبا، في الحصول على الملاحظات والتغذية الراجعة. لكن في مجالات أخرى ــ مثل الروايات والخطب وحتى المقالات الإخبارية ــ فإن التخلي عن التأليف البشري سيكون خطأ.
في الوقت الراهن، تتمثل الشكوى الأكثر شيوعا من الكتابة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي في ركاكة النثر نفسه. غير أن هذه الشكوى تستند إلى أسس هشة. لقد تذمر أنصار حركة اللوديت ذات مرة من رداءة صناعة الجوارب المصنوعة آليا. لكن الجوارب تحسنت بعد ذلك. ولا شك في أن جمل الذكاء الاصطناعي ستتحسن هي الأخرى.
الوسيط والرسالة

لذلك، ينبغي أن تستند أي حجة جادة ضد الكتابة بالذكاء الاصطناعي إلى الكيفية التي تختلف بها الكلمات عن الجوارب: فهي تحمل معنى ودلالة تتجاوزان ما ينتهي به الأمر على الصفحة. إن فعل الكتابة يميل إلى أن يكون مؤلما، حتى بالنسبة إلى كثير ممن يمارسونه مهنةً. لكن كثيرا من هذا الألم هو في الحقيقة ألم التفكير، ألم تحويل الأفكار إلى نص متبلور.
والتحايل على هذه العملية طريق مضمون إلى تفكير بشري أقل صرامة، ناهيك عن كونه أقل أصالة. فالطلاب الذين يعهدون بكتابة مقالاتهم إلى Claude قد يفقدون عادة الاستدلال والتفكير. والسياسيون الذين يتركون للذكاء الاصطناعي صياغة حججهم قد يكونون أقل وعيا بعواقب تلك الحجج.
وهناك مصدر قلق كبير آخر يتعلق بمستهلكي الكلمة المكتوبة ــ أو القراء، كما يحسن أن نسميهم. فالكتابة بالذكاء الاصطناعي تكسر توقعات الثقافة القائمة على القراءة والكتابة. إذ يستغرق إنتاج النص البشري وقتا أطول من قراءته. وهذا يوفر نوعا من الضمان، إن لم يكن لجودة النص ــ فالعالم لا يزال غارقا في نثر رديء ــ فعلى الأقل لوجود جهد بذل في إنتاجه.
لقد فكر شخص ما، في مكان ما، بأن هناك شيئا يستحق أن يُقال. ويسمي الاقتصاديون ذلك “إشارة مكلفة”؛ أي إشارة تتطلب من صاحبها كلفة أو جهدا، ولذلك تحمل قيمة دلالية.
وبغض النظر عما يقوله المنظرون الفرنسيون عن موت المؤلف، فإن القراء ما زالوا يريدون أن يعرفوا أن شخصا ما كتب الكلمات الموجودة أمامهم.
خذ الشعر مثلا
حتى قبل سنوات قليلة، عندما كان الذكاء الاصطناعي أقل قوة، كان الباحثون قد بدأوا بالفعل في اكتشاف أن كثيرا من الناس، في اختبارات عمياء تقارن بين الشعر الذي يكتبه الذكاء الاصطناعي والشعر الذي يكتبه البشر، كانوا يفضلون القوافي الآلية. لكن فهم قصيدة ما يعتمد على الوعد بأن إنسانا هو الذي كتبها، وبالتالي على افتراض أن هذه القصيدة كانت تعني شيئا لشخص ما.

وحتى عندما لا يُستخدم الذكاء الاصطناعي، فإنه يستطيع أن يفسد تجربة القراء. فقد يصادف القارئ عبارة تبدو بصورة مثيرة للريبة وكأنها مصنوعة آليا، فيتخلى عن قراءة بقية النص. أو أن انتشار التزييف الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي قد يجعل القراء يفقدون الثقة في الأخبار الحقيقية. وتلويث البيئة المعلوماتية بهذه الطريقة هو ما يسميه الاقتصاديون “أثرًا خارجيا”؛ أي تأثيرا يصيب الآخرين من دون أن يدخل بصورة مباشرة في حسابات من أحدثه.
ستعيد التكنولوجيا تشكيل كثير من هذه الأعراف. فالذكاء الاصطناعي يوفر فرصا هائلة أيضا، وكثير من هذه الفرص لا يستطيع أحد حتى الآن أن يدركها بالكامل. لكن المجتمعات الليبرالية تتفاوض بشأن مثل هذه التغييرات الهائلة، لا من خلال الاستسلام السلبي للتكنولوجيات، وإنما من خلال التكيف معها.
لقد أشعلت الطباعة حروبا دينية في أوروبا خلال بدايات العصر الحديث. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، بشّر الراديو بصعود الفاشية. وقليلون اليوم يربطون أيا من هاتين التقنيتين بمثل هذه الدراما العالية.
والمجتمعات تتعامل حاليا مع كثير من التقنيات الأخرى التي تنطوي على مخاطر، مثل الأطعمة الأكثر دسامة والمخدرات غير القانونية الأكثر قوة. لذلك سيكون من الغرور محاولة رسم خريطة دقيقة لكيف ينبغي للمجتمعات مستقبلا أن تتعامل مع استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة.
لكن كل كاتب يعرف أن عليه أن يبدأ بمسودة أولى. وهذه مسودتنا نحن. ■





