مطلّعون للواشنطن بوست: الحصار أداة ضغط وليس حرباً



لكنْ -يقول إغناتيوس-وبعد حديثي مع أشخاص مطّلعين على المفاوضات، يبدو لي أن الجمود في إسلام آباد لا يعني بالضرورة العودة إلى الحرب. فالحصار هو أداة ضغط، بالتأكيد، لكنه ليس في المقام الأول أداة عسكرية. وبرأيهم ان ترامب لا يرغب في الانخراط في صراع مسلح إضافي. وهو يدرك أن المكاسب محدودة، بينما المخاطر الكبيرة، أو ما يسميه المتداولون الماليون (مخاطر الذيل) مرتفعة. هدف ترامب بدلاً من ذلك هو وضع إيران المنهكة بشدة تحت ضغط اقتصادي خانق، لمعرفة ما إذا كان قادتها سيغيرون مسارهم نحو صفقة شاملة وكبيرة.
ويتوقع الجانب الأمريكي أنه رغم المواجهة التي حدثت في إسلام آباد، فمن المرجح أن تستمر الاتصالات عبر وسطاء باكستانيين. وما زال هدف ترامب هو إيجاد “مخرج” من الأزمة.

وقال إغناتيوس: “إذا لم تستطع حل المشكلة، فوسّعها”، هذه النصيحة التي تُنسب غالباً إلى الرئيس دوايت أيزنهاور، تبدو وكأنها جوهر استراتيجية ترامب. فمع بقاء النظام الإيراني صامداً بعد أسابيع من القصف المكثف، واحتفاظه بأوراق قوة مهمة مثل بقايا برنامجه النووي وقدرته على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، قرر ترامب طرح ما يمكن تسميته “صفقة تيفاني”: حزمة كبيرة وبراقة من المنافع الاقتصادية، تشمل رفع العقوبات، مقابل تخلي إيران الكامل عن برامجها النووية والصاروخية ووقف دعمها للوكلاء!.
وبدأت محادثات إسلام آباد بنبرة متشددة متوقعة، حيث وضع نائب الرئيس جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف خطوطهما الحُمر ، وفقاً لمصادر مطلعة. لكن بعد ساعات طويلة من النقاش، أثار قاليباف إعجاب الفريق الأمريكي باعتباره مفاوضاً محترفاً ومرناً، وربما قائداً محتملاً لإيران جديدة. ويعتقد المسؤولون أن عناصر أخرى من الحرس الثوري الإيراني بدأت بفتح قنواتها الخاصة، رغبةً في أن تكون جزءاً من المستقبل أيضاً، طبقاً لتقرير الواشنطن بوست.

ويستدرك إغناتيوس قائلاً: لكن قد يكون هذا كله مجرد تفكير متفائل، شبيه بما روّجه مسؤولون أمريكيون سابقاً بشأن العراق أو أفغانستان. فقد حاول قاليباف، على مدى عقدين، تقديم نفسه كبديل براغماتي للنظام الديني. وسبق أن وُصف عام 2006، عندما كان عمدة طهران، بأنه “يسير على حبل مشدود”، إذ كان يسعى لتحسين الخدمات البلدية وربما لتجنب المواجهة الكارثية مع الغرب التي كان يفضّلها منافسوه. واليوم، بعد مرور 20 عاماً، حان الوقت لهذا “المصلح المحتمل” أن يثبت جديته أو يصمت.
يرى المسؤولون الأمريكيون أن إيران اليوم، رغم خطابها المتحدي، تعاني حالة إنهاك. فهي تعيش ما يشبه (إغلاقاً اقتصادياً) على الطريقة العسكرية، مع تراجع النشاط الاقتصادي بعد 40 يوماً من الحرب. ويخطط ترامب الآن لزيادة الضغط الاقتصادي أكثر، كما يفعل مقاتل في رياضة الفنون القتالية المختلطة عندما يطبق “الخنق” على خصمه بانتظار استسلامه. ومن الجدير بالذكر أن ترامب كان ينتظر هذا “الاستسلام” منذ بدء الحرب في 28 فبراير-شباط، لكن تفاؤله المفرط يُعد، في نظر منتقديه، أكبر أخطائه!.

هذا “الاستسلام” –يؤكد ديفيد إغناتيوس- هو منطق الحصار. ويمكن وصف هذه الاستراتيجية باختصار بأنها (عملية الغضب الاقتصادي الشامل). ويُقال إن ترامب أدرك أن أي تصعيد عسكري إضافي قد يجر الولايات المتحدة إلى مستنقع طويل. فقد بدأ يتضح للبيت الأبيض -كما حذر المنتقدون – أن حروب الشرق الأوسط سهلة البدء لكنها صعبة الإنهاء!.
وبحسب إغناتيوس، يرى مسؤولو إدارة ترامب ثلاثة سيناريوهات محتملة مع تشديد الضغط الاقتصادي:
أولها: سقوط النظام، وهو احتمال يرون أنه قد يصبح أكثر ترجيحاً بعد توقف القصف.
ثانياً: أن يقرر قاليباف أو زعيم جديد عبور ما يسميه فريق ترامب “الجسر الذهبي” نحو مستقبل مختلف!.
ثالثاً: أن يحاول المتشددون في الحرس الثوري كسر الحصار أو تنفيذ هجمات لإجبار واشنطن على تقديم تنازلات.
لكن إذا حاولت إيران، وهي ما تزال تشعر بالقوة، استغلال ما تعتبره أوراقها عبر هجمات عسكرية أو إرهابية، فقد يُجبر ترامب على التصعيد العسكري الذي يسعى لتجنبه. وبرأي إغناتيوس: هذه هي مخاطرة الاستراتيجية التي اعتمدها فريقه في إسلام آباد، فقد أظهروا مدى استعداد الولايات المتحدة لتقديم تنازلات من أجل صفقة. لكن ترامب لا يؤمن بالحلول التدريجية، بل يعتقد أن الصفقات الصغيرة تؤدي إلى نتائج صغيرة!.

وتابع: هذه هي الفكرة: تكبير “الكعكة” عبر عرض حوافز أكبر، مع تشديد الضغط الاقتصادي في الوقت ذاته لإجبار طهران على القبول بالشروط الأمريكية. الهدف هو إقناع قاليباف وزملائه بالتحول من “قضية ثورية” تهدد المنطقة إلى دولة طبيعية يمكن أن تتطور بسرعة وتحقق ازدهاراً، على غرار جيرانها مثل السعودية والإمارات. وقال ديفيد إغناتيوس: هذا التحول من “قضية” إلى “دولة”، هو ما كان يراه وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر ضرورياً لاستقرار إيران والشرق الأوسط. وغالباً ما تحدث مثل هذه التحولات بعد الحروب، كما شرح في كتابه الأول “عالم مُستعاد”، حين تحدث عن مؤتمر فيينا عام 1815 الذي أعاد التوازن بين القوى الثورية والقوى التقليدية في أوروبا.





