أدب

قراءة في متن قصيدة ” رماد.. رماد” للشاعر عبد المنعم حمندي

      القصيدة تبدأ بالعطش وتنتهي بالرماد، وهي حركة دائرية مغلقة تعكس اليأس. استخدم الشاعر تقنية “قلب الصور” لخلق صدمة شعورية لدى القارئ: أصبح : (الماء رملٌ والندى شررٌ). هنا نفي لخاصية الإرواء عن الماء، وتحويل الندى (رمز الرقة) إلى شرر (أداة حرق). في الحالة الطبيعية، الماء هو نقيض النار ومنقذ الحياة، لكن في القصيدة نجد “انقلاباً وجودياً”: البدء بـ “عطشت بلاد الرافدين” صدمة رمزية، فالعراق (هبة النهرين) يموت عطشاً، وهذا العطش ليس مائياً فقط، بل هو عطش للسلام والعدل .

       (الماء رملٌ والندى شرر) هنا يصل الشاعر إلى قمة “السريالية الوجيعة”؛ فالماء (السائل) تحول إلى رمل (جاف)، والندى (الرطوبة الناعمة) تحول إلى شرر (نار حارقة). هذه الصورة تعني أن سبل النجاة نفسها أصبحت أدوات قتل.

     وفي جملة (لا الغيث يطفئ نارها)  استسلام تام أمام الحريق. المطر الذي يُفترض أن يحيي الأرض، يقف عاجزاً أمام “نار” الحروب والدمار.

ونتابع تحويل الطيور من كائنات حية إلى “نحاس” يرمز إلى القذائف أو الطائرات الحربية، مما ينزع الأمان عن السماء.

هذي الطيور من النحاس

كيف طارت ؟ كيف ذاك الحلم طار ؟

    فصورة الطيور النحاسية: من أقوى الصور في النص؛ فهي تحول الرقة والطيران إلى ثقل وموت، وفي ذلك إشارة ذكية لآلات الحرب التي استوطنت سماء العراق بدلاً من الحمام. ثم يصف الشاعر الحرب بأنها “ولود”، لكنها لا تنجب أطفالاً أو حياة، بل تنجب “أطيافاً من الموت” و”شعلاً من الموت المخاتل“.

      النار هنا هي “الأم” التي شيدت “صرح الدمار”. هذا التعبير يبرز فكرة أن الخراب أصبح مؤسسة أو هيكلاً (صرحاً) له جذور.كل من شرب الأمرّين استعار النار”. هذه صورة مذهلة تعني أن الضحايا، من كثرة ما عانوا من “المرارة”، أصبحوا يتنفسون النار أو يستعينون بها، وكأنها أصبحت العنصر الوحيد المتاح في الفضاء.

     ثم يظهر النخل “غاضباً”، والشجر “حزيناً” و”يتمشط بالمأساة”. هذه الأنسنة للطبيعة العراقية تجعل الأرض شريكاً في الألم وليست مجرد مسرح للأحداث. استخدم الشاعر اللقب التاريخي للعراق (أرض السواد) ليس للإشارة إلى الخضرة والزراعة كما هو المعتاد، بل ليحيله إلى سواد الاحتراق والحداد والرماد في نهاية القصيدة.

​     لغة القصيدة مشحونة بالوجع، وتمتاز بـالسوداوية الطاغية: كلمات مثل (جثة، دمار، حداد، موت، ذئب، دماء) ترسم جواً من الانقباض النفسي، يظهر في عبارة (مسمّرين على الجدار)، وهي صورة توحي بالشلل التام والانتظار السلبي للمصير، أو ربما تحاكي صورة الصلب.

     (شيخوختي بدأت هنا)؛ الشيخوخة هنا ليست عمراً زمنياً بل هي لحظة الانطفاء الحضاري والنفسي. القصيدة تتصاعد درامياً حتى تصل إلى “الصمت أبلغ في الحوار”، وهي ذروة اليأس من الكلام، ثم تنتهي بتكرار “سوى الرماد” لتأكيد العدمية.

      نجح الشاعر في تكثيف مأساة جيل كامل في صورة: “الشاربون حرائقي”، حيث يتحول الوجع الشخصي إلى فرجة أو استهلاك للآخرين.

التركيب: ربما كانت بعض الصور تقليدية في أدب الحرب العربي (مثل الغراب، الذئب، الدم)، لكن الشاعر جددها بربطها ببيئة الرافدين (النخل، النهر) بشكل عضوي..

​     النص يطرح تساؤلاً عميقاً عن جدوى الانتظار.

​     عبارة “قرف الردى من جثة الزمن المعار” عبارة مذهلة؛ فالشاعر يرى أن الزمن نفسه أصبح “جثة” ثقيلة حتى أن الموت (الردى) تقزز منها. هذا نوع من السوداوية الفلسفية التي تصف حالة “اللاستمرار” أو التوقف الحضاري. و في البعد الوطني نرى الشاعر ​رغم الحزن، قد جعل”النخل” و”بلاد الرافدين” و”أرض السواد” هي الأوتاد التي تربط النص بهويته. الشاعر لا يشكو ضياعاً شخصياً فحسب، بل يشكو ضياع “ذاكرة العشب” وتاريخ كامل تحول إلى رماد. فالقصيدة ليست مجرد كلمات، بل هي مشاهد سينمائية حولها الشاعر بقدرة فائقة من حالة الحزن المجرد إلى محسوسات (رمل، نحاس، جدار).

    نص حمندي نص “صادق” بامتياز، استطاع فيه أن يحول “الرماد” من بقايا حريق إلى “مادة بناء” لقصيدة قوية. إنه نص لا يُقرأ للاستمتاع، بل يُقرأ للمشاركة في الألم.

“الصمت أبلغ في الحوار.

​   هذا السطر وحده يلخص حال أمة أو إنسان وصل إلى مرحلة من الوجع لا تسعه الحروف، وهي عبارة ستبقى محفورة في ذاكرة كل من يقرأ القصيدة .القصيدة صرخة وجودية تعبر عن ضياع الهوية والوطن وسط الحروب. هي ليست مجرد وصف للخراب، بل هي رثاء لـ “الحلم القديم” الذي تحول إلى كتل من الرماد.

​     اعتمد الشاعر على نظام التفعيلة مع تنويع القوافي التي تنتهي غالباً بحروف مد متبوعة بسكون (الديار، الدمار، الحوار، الرماد)، وهذا النوع من القوافي يمنح صدىً طويلاً وموجعاً يشبه الأنين أو “الصدى” الذي ذكره في النص.

      رأيي في هذا النص أنه “وثيقة وجع تقطر واقعية سحرية”؛ فالشاعر عبد المنعم حمندي لم يكتب قصيدة فحسب، بل شيد “مرثية وجودية” تتجاوز رثاء الأماكن لتصل إلى رثاء الإنسان المحاصر بالعدم.

​      أعجبني في النص أن لغته ليست “تزويقية” أو خطابية رنانة، بل هي لغة خافتة ومنكسرة. الشاعر يستخدم مفردات (الرماد، الصدأ، الشح، القفار) لخلق جو خانق يضع القارئ في قلب المأساة. حتى الفجر الذي هو رمز الأمل، يجعله الشاعر “سكة” يصعد فيها “كي يموت الخوف”، وكأن الموت هو السبيل الوحيد للتخلص من الرعب.

رماد.. رماد

……

عطشُت بلادِ  الرافدين ،

 والنخلُ فيها غاضبٌ

يتوسل الغيم اذا شحّ المطر

لا الغيث  يطفئ نارها ..

 لا الريح لا هذا النهر

الماء رملٌ والندى شررٌ تقدَّد من حجر

……

 شجرٌ حزينٌ ،

يستعير غمامتين من الفضاءْ .

ويمشًط المأساة  من وجع وداء

يستذكر الحلم القديم .

قد كان أمنيةَ الرجاءِ ، و لا رجاءْ .

شيخوختي بدأت هنا ،

و الشاربون حرائقي يتساءلون :

 إلى متى نشقى .. يُتعتعُنا  الصدى ،

و الذئبُ يسكرُ  بالدماءْ ؟ .

……

هذي  الطيور من النحاس

كيف طارت  ؟ ،

كيف ذاك الحلم طارْ ؟ .

في سكّةٍ  للفجر أصعدُ  ..

كي يموتَ الخوفُ فيَّ  ….

إقامتي  هذا النهارْ

و إقامتي النار التي قد أنجبت

كتل الرماد وشيّدت صرح  الدمار

كنّا هناك

مسمّرين  على الجدار .

لا نبعَ  للجَملِ المعمِّر في الفيافي ،

لا عواصف تستحي من صخرةٍ ..

قد تستظلُّ بها القفارْ .

لمْ تبقَ ريحٌ باكرٌ  ،

تتوسّلُ الصقر الجريح

لكي  تُعفّر في الغبارْ .

أبداً  و لا في الليل أغنيةٌ

تحلّقُ في الكؤوسِ ،

و في الرؤوسِ

و في النفوسِ ،

و في الدموع..

 الصمتُ أبلغُ في الحوارْ .

……

للعُشب ذاكرةٌ تموءُ وراءنا ،

قرفَ  الردى  من جثّة الزمن المُعارِ ،

و كلُّ مّنْ شرب الأمرّين استعارَ النارَ ،

من حربٍ ولودٍ أنجبت ، أطيافها

شُعلاً من الموت المخاتل  في الديار

فكل شيءٍ معتمٌ إلا الحِداد 

متجذرٌ ، وصخوره تنمو بخاصرة البلاد

لم يبق في أرض السواد سوى الرماد..

سوى الرماد

 …

  عبد المنعم حمندي  

مقالات ذات صلة