تحقيق

عجائب الرسول “مار ماري” أرست أسس المسيحية في ميسوبوتيميا

تقول د. بروين البدري مؤرخة تاريخ الأديرة “لاقى الرسول مار ماري كثيراً من الصعوبة والاضطهادات الجمة لكي يكفّ سكان المنطقة عن عبادة الأوثان. لقد أظهر الرسول مار ماري عجائب، لكي يؤمن أهل المنطقة ببشارة المسيح، من هذه العجاعب، مثلاً دخوله النار و الخروج منها دون أن يحترق وغيرها، بتلك العجائب آمن به شعب المنطقة بشكل تدريجي و كذلك الملك أرطبان الثالث أيضاً، ملك مملكة الفرثية حاكم المنطقة، الذي سمح لمار ماري ببناء كنيسة“. 

       الكنيسة التي أقامها  في هذا الموقع لم تكن كنيسة فخمة بل غرفة صغيرة (بيت للصلاة) متواضعة في البناء من طابوق غير مفخور، يأتيها المؤمنون لإقامة الصلوات وشعائر الدين وللاحتفال بالطقوس المقدسة، لأن الكنائس لم تؤسس بالشكل الذي نعرفه الآن، الا في القرون اللاحقة، رغم ذلك كانت ذات قيمة روحية كبير.

      المؤسف أنّ هذه الكنيسة اندثر بناؤها الذي لم يكن من المتانة للصمود أمام الكوارث الطبيعية والمطامع البشرية. فانهار البناء شيئاً فشيئاً وغطته الرمال والأتربة حتى صارت تلالاً صغيرة في ذلك السهل الذي يمكن لزائر المنطقة ان يشاهدها وما حولها من بيوت سكنية بسيطة متناثرة .

     وعندما انتقل الملك أرطبان الثالث الى الضفة الأخرى من نهر دجلة، إلى ساليق الجديدة (منطقة المدائن حالياً) وترك (ساليق القديمة) بنى مار ماري الكنيسة الثانية،  وتعود قصة بناء هذه الكنيسة إلى معجزة شفاء أخت الملك أرطبان الثالث واسمها ” قنّي”، التي كانت تسكن على بعد (90) كم عن (ساليق الجديدة) بالقرب من منطقة العزيزية،  على يد مار ماري، والتي كانت مصابة بمرض عضال يصعب الشفاء منه،  فمنح الملك أرضاً في ضاحية قطيسفون اسمها (كوخي) وتعني باللغة السريانية “الأكواخ” ليقيم فيها الكنيسة إكراماً ومكافأة له.

     أطلق مار ماري عليها اسم (كوخي) نسبة الى اسم المنطقة، التي أصبحت لاحقاً، بعد أن اكتسبت  أهمية كبرى، مقراً رسمياً لكرسي جثالقة كنيسة المشرق. هذه الكنسية يعتبرها المؤرخون “الكاتدرائية الأم” لكنيسة المشرق، حيث تميل الدراسات الحديثة الى أن البناء الكبير والمنظم للكنيسة تم في أواخر القرن الثالث الميلادي حوالي (280-300م) حين بدأت المسيحية تتخذ شكلاً مؤسساتياً في بلاد الرافدين.  

     عُقِدَ في هذه الكنيسة في عام (460م)  مجمعٌ مهمٌ برئاسة الجاثليق مار بطرس، اتُخذت فيه قرارات مهمة منها، تنظيم شؤون الكنيسة الداخلية وتثبيت قوانين إدارة الكنيسة وضبط الأبرشيات،  ومن هذه الكنيسة شقت المسيحية طريقها إلى مناطق أخرى، وانطلقت البعثات التبشيرية من بلاد الرافدين نحو بلدان الخليج، وتوجهت شرقاً الى بلاد فارس حتى وصلت الهند والصين و اليابان فاحتضنت كوخي الحياة الروحية والطقسية للمسيحيين في تلك المناطق.

      يقول المؤرخون إن كرسي كنيسة المشرق في كوخي، كان يشغله في مطلع العهد العبّاسي رؤساء متنافسون واخرون غير قديرين، الى أن تولى زمام الرئاسة البطريرك العظيم طيمثاوس الأول الكبير سنة (779م)، الذي دام عهده (44) سنة، واتخذ قرارات مهمة آلت فيما بعد الى خير كنيسة المشرق وازدهارها، ذلك أنّ رغبتة التفاهم مع الحكم العباسي كانت في نظر طيمثاوس ضرورة حيوية للكنيسة.

     ولكي يكون المسيحيون حقاً على مفترق الحياة السياسية والثقافية، قرر منذ مطلع عهده أن ينقل مقر البطريركية من المدائن ( كوخي) الى بغداد العاصمة الجديدة. فقد أدرك أن للكنيسة دوراً مهماً تجاه المجتمع، وأن خير وسيلة لتجنب الظنون والشكوك تجاهها هي أن تكون في صميم حياة المجتمع، وأن تتعاون في بناء البلاد بواسطة أطبائها، وكتابها، وعلمائها، ومترجميها.  فنقل مقر البطريركية من كوخي إلى بغداد، عاصمة الدولة العباسيةً  في عهد الخليفة المهدي، ولكن رغم انتقالها، استمرت هذه الكنيسة بأداء الطقوس الدينية فيها. لذا كان من المعتاد عليه أن يقوم البطريرك الجديد الذي ينال رسامته بالحج الى كوخي، وزيارة ضريح مار ماري في دير (قني) والتبرك به.                                أدت كنيسة كوخي دوراً مهماً وكبيراً في العلاقات المسيحية، والتي كانت تتسم بالود و وحدة العقيدة إذ عُدَّ أسقف الكنيسة المسؤول الأول عن كهنوت المشرق وعرف بلقب الجاثليق، وطالما شهدت الكنيسة مراسم تنصيب كل من يحمل لقب الجاثليق لما لهذه الكنيسة من سطوة على كنائس الشرق. إن سطوة كنيسة كوخي لم تصل إلى القوانين الكنسية بل ان تنظيم الكنائس وهندامها عند أهل المشرق كانت مستمدة منها لأهميتها من الناحية الدينية. ودفن فيها نحو (24) جاثليقاً وبطريركاً.  

     قامت البعثة الألمانية بالتنقيب في موقع (ساليق الجديدة) من عام (1927م) لغاية (1932م)، وقد توقف العمل لسنوات عدة، إلى أن أقبلت بعثة إيطالية عام(1964م) وأجرت تنقيبات لمدة من الزمن ، وتوقفت أيضاً. لقد توصلت كلتا البعثتين، الى اكتشاف و تحديد أطلال موقع كنيسة كوخي بالقرب من طاق كسرى الاثري.ويقول المنقبون إن كوخي مكونة من كنيستين السفلى كانت مشيدة باللبن أما الكنيسة العليا فكانت مبنية باللبن المفخور.

المصادر:

برنامج تاريخ الاديرة: د. بروين البدري.

مجلة بين النهرين: مقال للاب المؤرخ البير أبونا.

كنيسة كوخي الأثرية، للأكادمية زينب.

مقالات ذات صلة