تقلبات عادل عبد المهدي السياسية:



ما إنْ نسي الرأي العام العراقي أحد سياسيّيه السابقين، حتى عاد الى الأضواء مرة جديدة. وظهوره هذه المرة لم يكن في العراق، بل خارج الحدود في بلد يغرق هو الآخر بالدم كما غرق العراق بالدم في ظل حكم هذا السياسي.
لم يستطع هذا المسؤول إكمال فترة حكمه البالغة أربعَ سنوات ولم يخدم منها سوى سنة واحدة وجرت إقالته من منصبه بعد أن غرقت شوارع بغداد والمدن العراقية الأخرى بالدم.
وكما لا يخفى على القارئ، فإنّ عادل عبد المهدي الذي ظهر فجأة في صنعاء باليمن، كان قد زعمَ أنه جاء إليها للمشاركة في منتدى حول دعم فلسطين.
وكانت حياة عادل عبد المهدي السياسية مليئة بالتقلبات من أقصى اليسار الى أقصى اليمين وكان تولّيه رئاسة الحكومة في بغداد قد شكل الانقلاب السادس في حياته السياسية بينما يتهمه معارضوه في انتقاله الجديد بأنه سافر بنصيحة إيرانية ليقدّم الدعم السياسي للحوثيين في مواجهة الغارات الجوية الامريكية على مواقعهم في اليمن.
******

تولّى عادل عبد المهدي منصب رئيس الوزراء للفترة من 25 تشرين الأول عام 2018 وحتى تشرين الثاني عام 2019 أي سنة واحدة فقط وأقيل من منصبه بعد أنْ غرقت شوارع بغداد والمدن الأخرى بالدم في مظاهرات تشرين المناهضة للنفود الإيراني في العراق ومحاربة الفساد وتحسين ظروف المعيشة.
وتنص القوانين المعمول بها في العراق على مدة الأربع سنوات كل رئيس وزراء ولفترتين!.
واختير بصفته المذهبية عضواً في مجلس الحكم برئاسة الحاكم المدني الامريكي بول بريمر ثم أصبح وزيراً للمالية في حكومة إياد علاوي أول حكومة بعد الاحتلال ،وكذلك وزيراً للنفط في حكومة حيدر العبادي.

وتشير الأنباء الى أن الظهور الجديد لرئيس الوزراء العراقي الأسبق في اليمن برفقة قياداتٍ لمليشيا الحوثيين قد أثار مزيداً من التكهنات حول طبيعة الزيارة بينما تشير التقارير الصحفية الى فرضية أن هذه الزيارة ذات علاقة بتوفير العراق معسكرات تدريب للعناصر الحوثية داخل العراق.
ولم يسبق أن تداولت وسائل الإعلام معلومات عن مؤتمرات دولية سابقة لكي يعنون الحوثيون مؤتمرهم بعنوان ( المؤتمر الدولي الثالث) ! كما لم نقرأ أو نسمع أنّ وفوداً فلسطينية أوعربية أو حتى عراقية أخرى قد شاركت في هذا المؤتمر المزعوم.
وتشيع الأوساط القريبة من رئيس الوزراء العراقي السابق فرضية غريبة من الواضح أنّ غرضها تلميع صورة عبد المهدي السياسية وتقول ( ربما تكون واشنطن قد أختارت عادل عبد المهدي لكي يكون رسولها للتفاوض مع الحوثيين) !
ويغرق هذا الشخص في أحلامه فيقول ( إنّ الجانب المحافظ في العراق قد حسم خلافه مع أمريكا وإن الأمور تسير نحو التطبيع بعد أنْ نقلت إيران ملف الحوثي للعراق ).
ولابد بهذا الصدد من إيضاح أن أمريكا تتمتع بعلاقات وثيقة مع سلطنة عمان التي تضطلع فعلاً بدور في حل الأزمة بين أمريكا والحوثيين لا تحتاج في نقل رسائلها الى رئيس وزراء عراقي سابق موالٍ لإيران لا تثق أمريكا به، كما أن إيران لا تحتاج له لكي يوصل رسالتها الى الحوثيين وهي عرَّابهم ومصدر تسليحهم وتدريبهم .
وتكاد كلمة عبد المهدي في المؤتمر المزعوم أن تنفي كل التكهنات والفرضيات بشأن مهمته في اليمن حينما روَّج لشعار إيراني مزمن حول ( وحدة الساحات) وهو الشعار المعروف لمواقف إيران والحوثيين والفصائل المسلحة العراقية وحزب الله اللبناني .
ولوحظ في صفحات عدد من المتابعين أن عادل عبد المهدي ما يزال يعيش تحت هاجس تعرضه للمساءلة القضائية عمّا ارتكبه خلال حكمه من سفك للدماء ولذلك يسعى لتوفير غطاء سياسي له بالإنضمام لما يسمى ( محور المقاومة).
والمعروف على نطاق واسع أن الحوثيين لهم مكتب ببغداد ومعسكرات تدريب ولا يحتاجون لمن يسافر إليهم في صنعاء ليبلغهم بشيء ما.
وقد عقد عبد المهدي اجتماعات في صنعاء مع شخصيات حوثية منهم جمال عمر وزير خارجية الحوثيين وتبادل معه مشاعر الود.
*****

ونعود لنرى سيرة عادل عيد المهدي السياسية ونقول إنه أحد أبناء عبد المهدي المنتفكي الثلاثة وكان وزيراً للمعارف في حكومة جعفر العسكري الثانية 1926-1927، وأصبح نائباً عن المنتفك (الناصرية ) عدة مرات، وأشتهر عنه أنه استقال من الحكومة لمعارضته قانون التجنيد الإجباري بالرغم من أنه كان مطلباً وطنياً عراقياً.
وأصبح عبد المهدي فيما بعد عضواً في مجلس الأعيان ، وهو من نبّه المجلس لإصابة العضو الآخر صالح جبر بنوبة قلبية خلال الجلسة التي عقدت في 6 حزيران 1954 وتوفي صالح جبر وكانا يجلسان قرب بعضهما في قاعة المجلس.
وعادل عبد المهدي المنتفكي من مواليد بغداد في البتاوين عام 1942 ثم انتقلت العائلة الى الكرادة الشرقية وأصبح عادل بعثياً بتأثير أشقائه وأصدقائه، ولعبت علاقة هاشم عبد المهدي مع غانم عبد الجليل في نادي النهضة الرياضي بالكرادة الشرقية دوراً هاماً في انتماء الإخوة الثلاثة للبعث.
ولم أتمكن من ملاحقة تاريخ الإخوة عبد المهدي بعد 8 شباط 1963 ودورهم في فترة حكم البعث الاولى حتى 18 تشرين الثاني 1963 ، لكن المؤكد أن عادل عبد المهدي وإخوته كانوا ضمن تنظيمات الحرس القومي.
وقد تعرض عادل بعد 18 تشرين الثاني 1963 للاعتقال في معتقل خلف السدة ، وكذلك في معتقل الفضيلية ببغداد. وفي حياته البعثية كان عادل عبد المهدي أحد كوادر لجنة تنظيم القطر، وعقدت هذه الكوادر في عام 1964 اجتماعاً في بيته بالكرادة الشرقية ضم ما بين 40 -42 قيادياً بعثياً، بعضهم ما يزال حياً حتى يومنا الحاضر، في العراق وفي خارج العراق وسيصبح عادل رئيساً للوزارء في سنوات طويلة لاحقة.
ونجح الاجتماع ،الذي أداره محمد زكي يونس رئيس الإتحاد العام لنقابات العمال، ولكن عندما اعتقلت الأمن العامة احد الذين حضروا ذلك الاجتماع وكان قد غيّر قناعاته فانتقل آلى التنظيم البعثي الآخر ، اعترف بكل الأسماء وجرى اعتقال العديد منهم ، ومنهم عادل عبد المهدي ، وهاجر الطبيب فائق البزاز من القادة المنظمين للجنة تنظيم القطر منذ بدايتها ، للدراسة في أمريكا ، وما يزال يقيم في شيكاغو طبياً معروفاً للأمراض الصدرية ، واعتقل غيرهم .
وأعتقد أن محمد زكي يونس ما يزال حياً في بغداد لكنه في ظروف معاشية وصحية صعبة وللتذكير فإن فائق البزاز هو بغدادي من الكرادة الشرقية وليس للقبه علاقة بالمعاضيد في الأنبار ولا بالموصل!

وكان عادل من صقور لجنة تنظيم القطر والتوجه اليساري الجديد ، حتى أنه في مرحلة لاحقة كان من مناصري حزب العمال الثوري الذي قاده حمدي عبد المجيد وعلي صالح السعدي.
وراح عادل مع رفاق له يميلون الى الفكر الماركسي حتى غادر الى فرنسا للدراسة لكنه بحلول عام 1971 بدأ يتردد كثيراً على دمشق ولقاء أحمد العزاوي ، القيادي البعثي العراقي في سوريا، وعلاقته به كانت وثيقة.
لكن عادل عبد المهدي كان يتعاطف جداً مع بقايا القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي التي تمكنت من الافلات من قبضة اجهزة ناظم كزار، وفِي مقدمتهم الدكتور ابراهيم علاوي الذي اصبح المرجع الحزبي الاول للقيادة المركزية في سوريا، بعد انهيار قيادة عزيز الحاج .
لكن البعثيين الذين أصبحوا من شيوعيي القيادة المركزية ومنهم عادل عبد المهدي اختلفوا مع ابراهيم علاوي فخرجوا عليه ليشكلوا تنظيماً آخر يصدر جريدة اسمها( الشرارة) في دمشق تيمناً باسم الجريدة التي أصدرها لينين في أوائل القرن العشرين خارج روسيا للترويج لافكاره الاشتراكية، أو التي كان يصدرها فهد زعيم الحزب الشيوعي العراقي السري في مرحلة من مراحل قيادته للحزب.
وكان احمد العزاوي يساعدهم من أموال مكتب شؤون العراق ، تمويلاً لطباعة جريدتهم ،وفي تنقلاتهم بين دمشق وبيروت وشمال العراق حيث كان محمد عبد طائي عضو القيادة القطرية للتنظيم الموالي لسوريا مسؤولاً عن محطة تواصل لهم شمال العراق.
وعندما اتجه العزاوي لبناء تنظيم اليسار العربي الجديد، كان عادل منهم ، لكن اغتيال أجهزة حافظ الأسد للعزاوي داخل مكتبه بالقيادة القومية في دمشق أدى الى تبديد جهود قيام اليسار الجديد، وضايقتهم أجهزة الأمن السورية ، فاضطر عادل الى العودة الى فرنسا.

وفِي فرنسا ، أستبدل عادل عبد المهدي أفكاره اليسارية أو الشيوعية ليتبنى الأفكار الإسلامية التي يروج لها المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق، دون ان تتوفر ملابسات وتفاصيل هذا الانتقال من أقصى اليسار الى الإسلام السياسي .
ويبدو غريباً أن عادل عبد المهدي لم يكن البعثي او الماركسي الوحيد الذي تغيرت قناعاته خلال إقامته في فرنسا تحديداً ، وأعرف غيره أيضاً تحول من البعث اليساري وهو في فرنسا الى الاسلام السياسي وراح بعد الاحتلال ضحية غدر أصحابه في تنظيمهم الاسلامي ، وهذا التحول الفكري قد يكون مرتبطاً بفشل الذين مارسوه في حياتهم السياسية فتحولوا الى الاسلام السياسي.
وبعكس كل ما يقال فإن عادل تردد على طهران عندما أصبح قيادياً في المجلس الأعلى للثورة الاسلامية ولم يكن مقيماً فيها.
ومن المؤكد أن عادل عبد المهدي وزير المالية في حكومة أياد علاوي، ايّام بول بريمر، كان يحاول إعادة علاقاته الشخصية مع أصحابه الذين كان يعرفهم في الماضي ، ويلتقي ببعضهم في منازلهم ومنازل الأصدقاء المشتركين بينهم.
المفارقة، يقال إن تيار الحكمة وعمار الحكيم ورثة المجلس الأعلى كانوا من معارضي تولي عادل عبد المهدي منصب رئيس الوزراء. .





