أدبالعراق

لطفية الدليمي..الرسائل التي بقيت بعد الرحيل..

      ومن هذا المنظور يمكن قراءة مراسلاتي الأخيرة مع الروائية والمترجمة العراقية الكبيرة لطيفة الدليمي عبر فضاء “الماسنجر”. لم تكن تلك الرسائل مجرد تبادل للتحايا أو التعليقات العابرة، بل بدت وكأنها وثيقة إنسانية مكثفة تكشف جانبًا من تراجيديا المثقف العراقي في زمن الخراب، وصراع الهامات التي ترفض الانحناء حتى وهي تواجه العزلة والمنفى وضيق العيش.

    لقد تحولت هذه الرسائل الصغيرة إلى ما يشبه بريدًا للكرامة، تُكتب فيه سيرة المثقف في الهامش لا في المتن.

في بواطن رسائلها، تضعنا لطفية الدليمي أمام فلسفة خاصة للكتابة. فهي لا ترى في الكتابة مجرد فعل جمالي أو ممارسة ثقافية، بل نوعًا من المقاومة الهادئة ضد القبح والخراب.

تحكي بمرارة عن بيتها الذي سُرق بأثاثه وذكرياته على يد جيرانٍ ائتمنتهم على حراسته. قد تبدو هذه الحادثة تفصيلاً شخصيًا، لكنها في حقيقتها تكشف خللاً عميقًا في علاقة المبدع بمجتمعه؛ إذ يصبح المثقف، في لحظة ما، غريبًا حتى داخل المكان الذي صنع ذاكرته.

غير أن الدليمي لم تستسلم لهذا الجرح. لقد اختارت ما يمكن تسميته الانتقام المعرفي؛ فكل كتاب تترجمه عن الفيزياء الحديثة أو عن تاريخ الحاسوب هو استعادة رمزية لبيتٍ سُلب منها، وبناء وطنٍ معرفي لا تطاله يد اللصوص.وفي هذه الفكرة تحديدًا تكمن قوة المثقف الحقيقي: أنه يحوّل خساراته الشخصية إلى طاقة معرفية، ويحوّل الجرح إلى نص.

وقد وجدت نفسي في هذه المرآة. فأنا الذي عدت إلى الصحافة بعد عام 2003 بدافع وطني، كنت أمارس الفعل ذاته: الكتابة بوصفها ردًا على الخراب الذي أصاب الإنسان العراقي قبل أن يصيب الحجر.

لعل أكثر فصول هذه المراسلات شجنًا هو تلك المكاشفة الصريحة حول ضيق العيش. حين تعترف الدليمي، وهي صاحبة أكثر من ستين كتابًا، بأنها تضطر إلى كتابة ثلاث مواد صحفية أسبوعيًا لتؤمن متطلبات الحياة في مدينة غالية وهي عمان، وحين أجيبها بمرارة عن تقاعدي المتواضع البالغ 600 ألف دينار عراقي فقط، نكون أمام صورة عارية للواقع الثقافي العربي.

إنها مفارقة تكاد تكون عبثية:مبدعون أسهموا في بناء الوعي الثقافي العربي يواجهون قسوة العيش، بينما تتكدس الثروات في أيدي الجهل والفساد.

لكن ما يخرج من بين هذه الكلمات ليس الشكوى بقدر ما هو إعلان كرامة. فالمثقف الحقيقي، كما يبدو في هذه الرسائل، يختار فقره النبيل على ثراء التنازلات.

ولهذا كان صوتنا في تلك الرسائل متوافقًا على جملة واحدة تلخص الموقف كله:المهم أننا لم نخفض هاماتنا لأحد.

تكشف هذه الرسائل أيضًا عن موقف نقدي من كثير من مظاهر الوسط الثقافي العربي المعاصر. فالدليمي تعتذر عن حضور عدد من المهرجانات والجوائز التي تحكمها الأيديولوجيا والسياسة، معتبرة أن حضورها فيها “مضيعة للوقت والكرامة”.

هذا الموقف يعكس ما يمكن تسميته العزلة المنتجة؛ وهي عزلة يختارها المثقف الواعي حين يدرك أن الزمن في مرحلة النضج أغلى من أن يُهدر في الواجهات الثقافية. فالمبدع في هذه المرحلة لا يبحث عن الصورة ولا عن التصفيق، بل عن الأثر الباقي.

ولهذا تبدو في رسائلها وكأنها تهرب إلى الأمام، نحو المستقبل العلمي والمعرفي، عبر انشغالها بترجمة كتب الفيزياء والعلوم الحديثة. إنها محاولة جريئة لفتح نافذة جديدة في الثقافة العربية، التي ما تزال أسيرة الرواية والشعر في كثير من الأحيان.

حين أهدتني الدليمي نسخة تجريبية من كراساتها الباريسيةلم تكن تهدي كتابًا فقط، بل كانت تشاركني خلاصة تجربة إنسانية طويلة.إن هذا العمل، كما توحي رسائلها، ليس مجرد يوميات سفر، بل تأمل في معنى المنفى والذاكرة والزمن.

وقد أدركت من خلال هذه الرسائل أن المثقف الحقيقي هو من يستطيع تحويل منفاه إلى مختبر روحي، وجوعه إلى كبرياء، وخرابه الشخصي إلى معرفة قابلة للمشاركة.

                       أدب المراسلات: الوجه الخفي للمثقف

من الناحية النقدية، تنتمي هذه الرسائل إلى تقليد طويل في أدب المراسلات الذي عرفته الثقافة العربية منذ عصور مبكرة، وازدهر لاحقًا في الأدب الحديث. ففي الرسائل يظهر الكاتب بلا أقنعة، بعيدًا عن حسابات النشر والجمهور.

    ولهذا السبب تحديدًا ظل هذا الأدب مصدرًا مهمًا لفهم الشخصيات الفكرية؛ لأنه يكشف ما لا تقوله المقالات ولا الروايات: القلق اليومي، والخيبات الصغيرة، والكرامة التي تتشكل في التفاصيل الصامتة للحياة.

فالرسالة، في جوهرها، ليست نصًا موجّهًا إلى قارئ مجهول، بل حوار إنساني مباشر، ولهذا تكتسب صدقها العميق.

     إن رسائلنا، رغم ما تحمله من ألم، تبدو في جوهرها إعلان انتصار أخلاقي. فنحن، وإن كنا غرباء بين الدار والمنفى، فقد نجونا من المسحلة التي طالت القيم. فالكتابة، في النهاية، ليست مجرد فعل جمالي، بل طريقة للبقاء واقفين في عالم يطالبنا كل يوم بأن ننحني.  

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق