وشاح العويس على كتف الضوء



في المنفى الذي اختارَهُ القلبُ،
لا سوطُ منفًى ساقَهُ،
بل نبوءةُ شاعرٍ رأى في الغيابِ خلاصًا من العاصفة.
جلس “أبو بادية” في مقهى فوانيس،
يُسامرُ ظلَّهُ وشيئًا من نورهِ،
يجيءُ من أعماقِ الذاكرةِ،
يحملُ قنديلًا من حنينٍ،
ويقولُ: “ما الكتابةُ إلّا صلاةُ مَنْ لم يجدْ معبدًا.”
كان القمرُ على كتفِ عمّانَ،
يُصغي إلى نغمةٍ رافدينيةٍ تخرجُ من فنجانِ قهوةٍ مُرّة،
والحروفُ تدورُ حولَ الشاعرِ
كما تدورُ الكواكبُ حولَ فكرةٍ خالدة،
تسألُهُ: أأخطأتَ حين غادرتَ؟
فيهمسُ: “هي خطيئتي التي أنقذتْ روحي من الموت.”
يا سيّدَ الغربةِ المختارة،
يا مَنْ جعلَ من الوحدةِ وطنًا،
ومن الحوارِ مع الذاتِ ملحمةً،
ومن السؤالِ فلسفةً تُضيءُ عتماتِ العالم،
ها أنتَ تُعلّمُ المقاهيَ أن تُصغي،
والأباريقَ أن تتكلّمَ لغةَ الشعرِ،
والوقتَ أن يتباطأَ في حضرتكَ
كأنَّهُ يحتمي من حدّةِ الفناء.
تتذكّرُ – في لحظاتِ المؤانسةِ –
أنَّ بغدادَ ما زالتْ تكتبُ رسائلَها على الغيم،
وأنَّ تمّوزَ يعودُ كلَّ عامٍ من تحتِ الطينِ
ليقولَ إنَّ الحرفَ العراقيَّ لا يموت.
تتذكّرُ السيّابَ وهو يشيرُ إلى “الهوةِ المظلمة“،

وتستعيدُ خُطى المتنبيِّ
حينَ نعى “خولة” بدمعٍ من الفخرِ والحسرة.
تُحادثُ كونديرا عن الحبِّ في زمنِ الدبّابات،
وتضحكُ من ضابطٍ أرادَ أن يُعلّمَ شعبًا العشقَ
بلغةِ الرصاص!
يا حميدُ،
يا من جعلتَ من الكلمةِ سلاحًا أبيضَ لا يجرحُ،
ومن القصيدةِ نافذةً تُطلُّ على إنسانيةٍ أوسعَ من المنافي،
ها هي جائزةُ العويس
تجيءُ إليكَ كما تجيءُ النبوءةُ إلى نبيٍّ تعبَ من الصبر،
تجيءُ لا تكريمًا فحسب،
بل اعترافًا من الشعراءِ
أنَّكَ ما زلتَ تُنقذُ اللغةَ من موتِها البطيء،
وتوقظُ الحلمَ في ليلِ الكلمات.
جاءتكَ الجائزةُ
كما تأتي سحابةٌ إلى نخلةٍ تعرفُ سرَّ المطر،
كما تأتي الوردةُ إلى اسمِها،
والوطنُ إلى ابنِه الذي لم يخنهُ في الغياب.
يا ابنَ سومرَ،
يا من تعيدُ للأنهارِ أناشيدَها،
وللبياضِ معناهُ،
ها أنتَ تُكلَّلُ بتاجِ الشعرِ،
كأنَّ العويسَ جسرٌ بين وطنٍ موجوعٍ
وغربةٍ صارتْ وِردًا في دفترك.
فامضِ أيّها الشاعرُ الكبير،
وفي يدِكَ فوانيسُ عمّان،
وفي الأخرى نخلةُ بغداد،
وامضِ…
فكلُّ الجوائزِ بعدكَ
قصيدةٌ لم تكتمل.





