أدب

قصيدة للشاعر حمندي..وقراءتان للناقدين د. ضياء خضير وفيليب أبو فاضل

تأتي قصيدة “انتحار الطين.. سيرة الرماد” بوصفها نصًا شعريًا مشحونًا بثقل التجربة الإنسانية في مواجهة الحرب، حيث لا تكتفي بتصوير الدمار أو رثاء الضحايا، بل تمضي أبعد من ذلك نحو مساءلة المعنى ذاته، معنى النصر، ومعنى الخسارة، ومعنى الإنسان حين ينخرط في آلة العنف. منذ العنوان، يضع الشاعر القارئ أمام مفارقة وجودية عميقة؛ فالطين، بوصفه رمز الأصل والبداية والخلق، يقترن بالانتحار، بينما يحضر الرماد بوصفه الأثر النهائي بعد الاحتراق، وكأن النص منذ بدايته يعلن أن ما يحدث ليس مجرد حرب عابرة، بل فعل تدمير ذاتي للإنسان، ينتهي إلى محو أثره وتحويله إلى بقايا صامتة.

    تمضي القصيدة في بناء هذا الوعي عبر لغة مشبعة بالحزن، لكنها ليست انفعالية أو خطابية، بل أقرب إلى تأمل داخلي يطرح الأسئلة دون أن يدّعي امتلاك الإجابات. يتكرر سؤال الحرب بصيغ متعددة، ليس باعتباره استفسارًا بل بوصفه أداة كشف، إذ تتعرى من خلاله هشاشة السرديات الكبرى التي تبرر العنف. وحين يتساءل النص عما إذا كانت الحرب قادرة على غسل أوزارها، فإنه في الحقيقة ينفي ذلك ضمنيًا، ويضع القارئ أمام عبثية الفكرة ذاتها. هذا البعد التأملي يتعزز برفض واضح لفكرة النصر، حيث لا يُقدَّم بوصفه إنجازًا، بل ككذبة تُصاغ من دم الضحايا، أو كسلم يُبنى من عظام البشر. هنا تبلغ القصيدة إحدى ذراها، إذ تنجح في تفكيك الخطاب السائد الذي يمجّد الحرب، وتعيد تعريف النصر بوصفه خسارة أخلاقية وإنسانية مهما كانت نتائجه الظاهرية.

القصيدة تؤدّي دوراً أساسياً في نقل الإحساس بالخراب!

    على مستوى الصورة الشعرية، يعتمد النص على بناء مشاهد حية ومتحركة، تجعل القارئ يرى الحرب لا كحدث بعيد، بل كتجربة حسية ملموسة. تتجلى هذه القدرة في صور مثل غسل الأفق، والمشي على الجمر، واستعادة الطفل لضحكته من الموت، حيث تتداخل الرمزية مع التجربة اليومية لتنتج مشاهد ذات كثافة شعورية عالية. هذه الصور لا تأتي بوصفها زينة لغوية، بل تؤدي دورًا أساسيًا في نقل الإحساس بالخراب، وفي الوقت نفسه تفتح نافذة صغيرة نحو الأمل، خصوصًا في لحظة الطفل التي تمثل نقطة ضوء داخل عتمة النص، وتمنحه توازنًا دقيقًا يمنع انزلاقه إلى اليأس المطلق.

     ومع ذلك، وكما في نصوص اخرى سبقت الاشارة اليها في مناسبات سابقة، لا يخلو النص من بعض المآخذ التي تتصل أساسًا بالتكرار  وبدرجة التكثيف وكيفية بناء الصورة . فبعض الأفكار المركزية، كعبثية الحرب ولعنتها، تتكرر بصيغ متقاربة، مما قد يخفف من حدتها التأثيرية في مواضع معينة، خاصة حين لا يصاحب هذا التكرار تحول نوعي في الصورة أو الفكرة. كذلك تميل بعض العبارات إلى المباشرة، كما في التصريح بفكرة “كذبة الانتصار”، وهو طرح قوي من حيث المعنى، لكنه يفقد شيئًا من شعريته مقارنة بالمقاطع التي تعتمد على الإيحاء والرمز. ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة العامة للنص، بقدر ما تشير إلى إمكانات أكبر يمكن أن يبلغها عبر مزيد من التكثيف والاشتغال على الإيحاء بدل التصريح.

القوة الأساسية (للقصيدة) تكمن في صدقها

       تتوج القصيدة بخاتمة منسجمة مع عنوانها، حيث يعود الطين بوصفه محورًا دلاليًا، لكن بعد أن يكون قد مرّ بتجربة الاحتراق والتحول إلى تراب. في هذا الإطار، تغدو الحرب فعل انتحار جماعي لكائن يحاول أن يتجاوز إنسانيته، فلا يحصد إلا الفناء، بينما يبقى التراب، بوصفه ضحية، هو المنتصر الوحيد، في مفارقة تعكس عمق الرؤية التي تحكم النص. إن هذه الدائرة التي تبدأ بالطين وتنتهي به تمنح القصيدة تماسكًا داخليًا واضحًا، وتؤكد أن ما يُطرح فيها ليس مجرد موقف عابر، بل رؤية متكاملة للعالم وللإنسان في لحظة انهياره.

      في المحصلة، تنجح القصيدة في أن تكون أكثر من مجرد نص عن الحرب؛ إنها نص يفكك بنيتها الأخلاقية والرمزية، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان ومعنى وجوده حين يتحول إلى أداة للقتل. قوتها الأساسية تكمن في صدقها، وفي قدرتها على الجمع بين الحس الشعري والوعي الفكري، بحيث تترك أثرًا لا يقوم على الصدمة وحدها، بل على التأمل الذي يستمر بعد انتهاء القراءة.

     يلذ لقارئ مترو أن يرافق القصيدة في سياقها السردي فلا يتعجل حكما لها أم عليها قبل قراءتها أكثر من مرة والوقوف على كامل محتواها…. 

    مستهلها.. متى تنتهي الحرب؟ سؤال مشروع لكل عربي أن يطرحه على نفسه وعلى كل زاعم معرفة قراءة في السياسة… سيما وان العرب ليسوا أهلها ولا هم المقررون فيها  أنماط بأسف كلي نقول: هم يعلقون نتائجها وليسوا فيها فاعلين..وسنترك جوانا الذي نحاره إلى ما بعد..

   أما عن انطفاء نارها في رماد حرائقها فيمكن الجزم نفياً وهي ما هي عليه وأهلها هم أنفسهم المقررون والقائمون بها والمنفذون

    جميل طرح المبادئ الفكرية بأن كل شيء يعوض بعد النشيد ورفعة العلم..هذا يوم غسل للآثار  المادية، أما رفعة الجبين فلا تتحقق إلا بثمن معنوي لا مادي..

إرهاصات الحرب..أثّرت في حمندي

     ويبقى السؤال المشروع الثاني الذي طرحه الشاعر: هل تغسل الحرب أوزارها؟لا! واصاب الشاعر عندما فتح العيون المغمضة بأننا سنمشي الهوينا عل جمرنا،!! فنبهنا إلى أننا سنكون نحن بكامل أجسادنا الجمر!!وجعلنا نمشي الهوينا للتأكد من احتراق اقدامنا..غاية الشعور بالألم في مشيتنا!!!وأجرنا لن يتوضأ بالحقيقة بل بالصبر،  والأمنيات..ونصل الشاعر أن: لا مجد يعلو إذا كان سلمه من عظام البشر..ولا على كذبة الإنتصار…وهل من يوافق أن ترفع المآذن صوت الحنين في الحرب أم علينا أن نرفع صوت الدفاع عن النفس؟ ؟؟والقلم؟ لا نقول أن يتوقف عن الحب، بل عليه أيضا أن يرفع صوته داعيا ومشجعا وطالبا استعادة الحرية مكللة برفعة الجبين…

عبد المنعم حمندي أثرت فيه إرهاصات الحرب وما فيها وما لعبت اميركا فيها…متى تنتهي الحرب؟ ؟ لن تنتهي ما لم تتوقف أميركا عن دعم الصهيونية فتنتهي وتنتهي الحرب

                                                                         20-3-2026

                                                                            ف.أ.ف.

مقالات ذات صلة