العراق

في تعقيب على مقال “الأستاذ عكاب سالم الطاهر”..شهادة حيّة عن يوسف متي

     الغالي أبوسيف:

     سوف أروي لك حكاية حدثت لي مع الكاتب الكبير المرحوم يوسف متي، ففي ثمانينيات القرن الماضي عندما كان الأستاذ عكاب سالم الطاهر، يساهم في تحرير جريدة الثورة، كان لي صديق أعتز به وبأخوّته هو السيد عبد الخالق العادلي. كانت له بنت في المرحلة الرابعة، فرع الفيزياء النوويه في كلية العلوم بجامعة بغداد. وكانت من المتفوقات في هذا الفرع وقبيل نهاية العام الدراسي صدر أمر جامعي باعتبارها مفصوله من الكلية ولا رجعة لها إليها.

    أما الأسباب، فهي كما ذكر كتاب الفصل لم تنجح في أحد الدروس عندما كانت في المرحلة الأولى، علماً بأنها قد تسلّمت النتيجة ومكتوب فيها أنها ناجحة وتُرحّل إلى المرحلة الثانية. وهكذا استمرت في المرحلة الثانية والثالثة والرابعة، دون أن يصلها أي إشعار من إدارة الكلية يشير إلى هذا الدرس الذي لم تبلغ به.

   ولكن أحد المديرين في ذاتية الكلية صار يدقق كافة نتائج الطلاب من المرحلة الأولى إلى آخر مرحلة ويعترف أن ما جرى خطأ إداري ولكن لا يمكن مراجعته أو حلّه، وبموجب هذا “الرأي” تم فصلُ الطالبة، فيما كانت الامتحانات النهائية على الأبواب!!.    

    ولذا جاءني صديقي العزيز، والد الطالبة، وهو يرجوني أن أجد له مخرجاً من مشكلة ابنته التي أصبحت خارج الكلية. أخذت الرجل إلى والدي في الجريدة ومعه كل الوثائق التي تشير  إلى أن الخطأ إداري وليس بسببها هي، فطلب والدي من عبد الخالق أن يكتب رسالة، يشرح فيها  كل الحقائق ويستنسخ الوثائق التي لديه، لتكون برفقتها.

   و في اليوم الثاني وصلنا معاً إلى والدي في الجريدة وكان في تلك الفترة مسؤول صفحة الثورة والجماهير وقال لنا إنها مشكلة  كبيرة يتوجب أن يطلع عليها أعلى رأس في الدولة، كي يتخذ قراراً بشأنها. عندها اتصل والدي بالمرِح أبي زيدون وكان له عمود في أسفل نهاية الصفحة الرابعة من الجريدة وزاويته تحت عنوان (وعند جهينة الخبر اليقين) ـ

     كانت زاوية يوسف متي “مؤثّرة” و”مقروءة” على نطاق واسع، وقد أخبره والدي بضرورة الاهتمام بهذه الرسالة. في اليوم الثاني أو الثالث ظهرت زاوية وعند جهينة الخبر اليقين وفيها من الكلمات ما يهز  القاصي والداني ويحمّل الحكومة فشل الإداريين وكيف غابت عنهم لمدة أربع سنوات وكل سنة تنجح الطالبة وبمعدل جيد جداً وامتياز وكلام طويل لا يمكن أن يكتبه غير الذي قاسى الظلم والتشرد وعدم الإنصاف وكانت كلمته ذات وقع  مؤثر وفعال في رئاسة الحكومه عندها صدر قرار من رئاسة الجمهورية يحكم بأن الأخطاء الإدارية لا يتحملها الطالب مهما كانت إذا ثبت أن هناك تقصيراً.

     فتعالت أصداء البهجة والفرح في بيت عبد الخالق وصدحت الزغاريد، وانهالت كلمات الشكر والثناء على أبي زيدون. كانت آيات الشكر تصله من كل الأطراف.

    وجرى التحقيق في الكلية بعد أن تم تشكيل لجنة خاصة من الرئاسة وكلية العلوم، ومن نتائجها الفورية نقل المدير “الشاطر”، مرتكب الخطأ، ومعاقبته واعتبار الطالبة ناجحة من المرحلة الأولى وهكذا استمرت في دراستها.

    إنه ابو زيدون هذا الكاتب الفذ الذي لا يمكن لأي كاتب حينئذ أن يباري قلمه النابض وأن يسلّط الضوء على المشكله فيأخذ حق المظلوم.

    رحمك الله أبا زيدون ونحن نستذكر هذه الواقعة فلولا كتابة أبي زيدون في زاويته وعند جهينة الخبر اليقين لأصبحت بنت صديقي العزيز مفصولة من الكلية ولعاشت كأي فتاة منكسرة ومحطمة .

   رحمك الله أستاذنا الراحل  يوسف متي .

مقالات ذات صلة