في ذكرى رحيله المُحزن..علي جواد الطاهر ..رحل بصمت تحت وطأة الحصار*



المعلم والباحث والمحقق والناقد العراقي المعروف الدكتور علي جواد الطاهر واحد من الوجوه العراقية والعربية الكبيرة التي رحلت بصمت أواخر القرن الماضي، وسط الليل الطويل الذي فرضه الحصار في حينها على أبناء العراق سنوات طويلة.
ورغم أن الرجل قد واصل عطاءه في النقد وأوجه الكتابة والتأليف الأخرى بهمة لا تعرف الكلل، فإن القليلين حتى من العراقيين أنفسهم كانوا يعرفون مقدار المعاناة التي عاشها هذا الرجل الكبير في ظل الظروف والمتغيرات الصعبة التي عاشها مع عائلته خلال الحرب وبعدها في أثناء هذا الحصار الذي لم يحرم أبناء العراق من الغذاء والدواء فحسب، بل من الكتاب المقروء أيضا. وهو يعني لرجل مثل الطاهر ما يعنيه الغذاء والدواء، أو ما يفوقهما أهميّة وقيمة. ذلك أن الطاهر كان ينحني على نفسه ويفتش فيها عن طريق القراءة والكتابة عما عساه أن يكون بعيدا لم يمسّ بعد.
ومع دراسته في فرنسا وحصوله على شهادته العليا في الدكتوراه من إحدى جامعاتها، فقد ظلت ثقافة الطاهر الأساسية تميل الى التراث العربي وتحتكم الى معاييره الأدبية والنقدية وتكتب بأسلوب قريب من أساليب أدبائه ونقاده الكبار بما تنطوي عليه هذه الأساليب من وضوح وضبط وتوازن عبارة ونصاعة تعبير .

وقد بذل الطاهر جهودا جبارة في أن يكون ابن عصره، قادرًا على تذوق مؤلفات معاصريه من الشعراء والكتاب والقصاصين العراقيين، والكتابة عنها رغم فوارق العمر والزمن على وفق منهج أو مناهج نقدية تجمع بين القدامة والحداثة وتحاول التأليف بين معاييرهما. وهو يشبه في هذا من بعض الوجوه عميد الادب العربي الدكتور طه حسين الذي درس الطاهر في القاهرة على يديه وأعجب به أيما إعجاب، وجعل منه مثالا ونموذجا في توسيع الأفق الثقافي وتوظيف حصيلته من الثقافة الغربية ولغته الفرنسية لتعميق ثقافته التراثية وخدمة لغته العربية. وأسلوب الطاهر متأثر كذلك بأسلوب طه حسين من حيث التوكيد على نغمة الخطاب الشفاهي ومراعاة التوازن بين أجزاء الكلام واستعمال الضمير الغائب بدلا من الأنا المباشر .
وكان يخيل إليَّ، أحيانا، أن علي جواد الطاهر مثل الفرنسي “فلوبير” الذي أحبه الطاهر وقرأه بلغته، قد جمع كل شؤونه وشجونه في كتبه، فانسكبت نفسه قطرة قطرة، وعاش حياته كلّها وهو إمّا قارئ لكتاب أو مدبّج لمقالة أو مفكّر بهما. ورغم أن “فلوبير” روائي وقاص، وأن الطاهر مقالي وناقد ومحقّق، وأن الأول يستطيع بحكم مهنته نفسها أن يكتب عن حياته ويعبّر عن أحاسيسه بطريقه أكبر من الثاني، فإن ما يجمع بين الرجلين هو هذا الإصرار العجيب على المتابعة والإيمان الذي لا يتزعزع بالكلمة مجسّدة لحياة وجمّاعاً لتجربة يجري فحصها ويعاد النظر فيها باستمرار.
ومع ذلك فلا يمكن أن يقال عن “الطاهر” إنه كان مجرد ماكنة لصنع الكتب حتى لمن لم يتوفر على معرفة شخصية مباشرة به. فمثل هذه المعرفة، إن هي توفرت، لا تنفع في إلقاء الضوء على منطقة الاحتراق الداخلي ومولّد الحرارة في تلك الماكنة العجيبة؛ ولا تؤدي إلى الإمساك بمكمن السرّ الذي جعل شيخا نيّف على السبعين يتابع العمل بالهمّة نفسها التي بدأ بها أيام شبابه الأولى.
ولا يعرف أحد هل جاء شباب الطاهر، وهو شيخ، من إحساسه أو إحساسنا بشيخوخته وهو شاب، أو من شبابه وهو شيخ؟ أم أن مراحل الحياة المختلفة قد اختلطت لديه وتمازجت وتوحّدت، فاستحالت إلى ما يشبه الشباب الدائم الذي لا يستطيع المرء من دونه مواصلة المقاومة والإمساك بعربة الزمن أو عربة الفكر والثقافة المندفعة إلى الأمام من دون توقف.
ولذلك فهو حين يفرغ من كتابة كتاب أو إنجاز بحث ويدفع به إلى النشر ويتوهم بأنه قد نجح في أن يحجز له مقعداً ثابتاً في تلك العربة، أو يترك عليها وشما يمكن أن يراه الآخرون بوضوح، فإن ظنه سرعان ما يخيب فيشعر بالحاجة إلى أن يبدأ من جديد، فينحني على نفسه لتصميم عمل أو وشم آخر أكثر عمقاً ووضوحاً. ولا يهم ان يكون العمل التالي خاصاً بالقصة أو الرواية أو المسرحية أو محاورة بعض الجوانب المشرقة أو غير المشرقة في تراثنا العربي ومتابعة من يكتبون فيه وعنه . فالأمر الجوهري هو أن يتواصل العمل ويتشعب. وكأن الطاهر يبدو محكوما بكوجيتو ديكارتي جديد هو: “أنا أكتب، إذن أنا موجود”.

هكذا يكتب الطاهر باستمرار وبصمت ومن دون ضجيج وصخب. وحين يضاف إلى الرفّ الخاص بمؤلفاته الشخصية الموضوعة بعناية في مكتبة داره العامرة في بغداد عنوان جديد، ينزاح عن نفسه قدر من الهمّ يعادل في حجمه حجم هذا المؤلف الجديد، فيشعر بالرضا ويفرح بالإنجاز ويحتفل به على طريقته الخاصة بصمت، ولكن ذلك لا يستمر غير أيام أو ساعات. إذ سرعان ما يعاوده الحنين للبدء من جديد، ويهتف بجسده الضعيف أن يستمر في المقاومة، واعدا إياه بأفراح ولذاذات سرية أخرى تنتظرهما معا على طريق الإبداع اللعين. هذا الإبداع الذي لا يكاد ينتهي انموذج من نماذجه حتى تتدحرج أحلام صاحبه مثل صخرة سيزيف إلى قاع جديد من اليأس. ودافع الطاهر إلى كل هذا التعب في الكتابة ليس الشهوة الغالبة إلى الإعلان عن النفس وحب الظهور أمام الجمهور، وإنما الجوع الذي يفرض على صاحبه الشعور الدائم إلى التواصل ويضطره إلى ان يعيد نفسه وكلماته نفسها أحيانا، واجدا فيها روحا جديدا ولذة مختلفة في كل مرة. وذلك يعني أن ما يحتاجه الطاهر قبل أيّ شيء آخر هو أن يثبت لنفسه قيمة نفسه من أجل الاستمرار في معركته الضارية مع الصبر والجلد والضعف المتواصل للجسد.
أما الآخرون، وهم كثيرون، فإن إعجابهم به واحتفاءهم بإنجازه يبقى مسألة أخرى. والطاهر لا يبدو في الظاهر عظيم الاهتمام بتقدير الآخرين له وتكريمهم إياه، بل إن بعض هذا التكريم المبالغ فيه يحرجه ويشعره بالخجل أحيانا، وليس فقط بالامتنان والعرفان بالجميل. فبساطة الرجل وتواضعه وزهده وتقواه الطبيعية مزايا عريقة في نفسه، وهي لديه من النوع المجرّب المحكّك الذي يستطيع أن يعيش مع الكبرياء فلا يشينها، أو يفقدها شيئا من روحها المحلّق الباسل؛ وهي، في الوقت نفسه، المزايا نفسها التي تمنحه القدرة على تحمّل الألم بل احتقاره والسخرية منه.
لقد كان الطاهر يمسك بناره المحرقة، أيام الحصار والوضع السياسي الصعب، بهدوء من يضع يده في ماء نهر بارد. وحينما يرى الناس بعض الحروق في يده، فإنه يعمد إلى أن يريهم الجانب الأبيض الناصع فيها. وليس لدى الطاهر، فضلا عن ذلك، جهات مظلمة أو نقاط غريبة ومتآمرة شأن بعض المشتغلين في الوسط الثقافي عندنا في العراق رغم معرفته بمعادن الرجال وإدراكه لضحالة وسوء طوية الكثير منهم. فالوضوح وسلامة القصد وتحكيم الذوق والترفع عن المغريات والابتعاد عن الصغائر تبقى من السمات الأساسية في تكوين شخصيته. وقد ظل الرجل ثابتا عليها، صامداً وواثقاً في تعبيره عنها، حتى إذا لم يكن قادرا أو راغبا في صياغتها بكلمات. ولذلك أحبّه الجميع وأخلصوا له وجعلوا من التفافهم حوله واحترامهم له، مهما اختلفت أجيالهم ومفاهيمهم واتجاهاتهم السياسية والأيديولوجية ، قاسما مشتركا يوحّد بينهم ويشعرهم بالاطمئنان إلى تواصل حياة الأدب والإبداع في العراق وعدم انقطاعها رغم العقبات والصعوبات والظروف القاسية الغلابة.

لقد قال الشاعر والناقد الإنكليزي الأمريكي “ت.س. إليوت” مرّة إن الكتّاب الذين تتاح لنا معرفتهم هم غالبا أصحاب الكتب التي يمكننا تجاهلها، وعلى قدر معرفتنا بهم يقلّ شعورنا بالحاجة إلى ما يكتبون. وهو أمر لا أظن أنه ينطبق على أستاذنا الطاهر، لأننا مازلنا نقرأ كتبه ونعجب بشخصيته ونحبه. وهو أمر لا نعتمد فيه على قراءة هذه الكتب التي زادت على الخمسين كتاباً (بعضها، مثل منهج البحث الأدبي، زادت طبعاته على العشر) وإنما أيضا على أشياء أخرى يقع بعضها خارج النص الطويل لهذه الكتب، بل إننا نشعر أحيانا بأن الطاهر لم يجعل من هذه الكتب أداة ووسيلة للتواصل مع الحياة والإحساس بالناس والأشياء من حوله، وإنما على العكس من ذلك، حاجزا يحول أحيانا بينه وبين هذه الحياة، ويحرمه منها، أو من بعض مباهجها ولذاتها الماديّة.
وذلك لا يرجع فقط إلى أن الطاهر يكتب عن الكتب، ويتحدث عن الأشياء والناس من خلال مرآة يحملها مؤلفو هذه الكتب، وإنما أيضا لأن مهنة الكتابة الطويلة قد جعلته مثل طيب الذكر أبي العلاءالمعرّي رهين المحبسين: محبس البيت حيث رفيقاه الكتاب والزوجة، ومحبس العمر حيث الجسد اللعين الذي حدّ ضعفه من عنفوان الحركة، وقلّل من فرص الخروج من الجلد والحياة المحاصرة بأكثر من سبب ووسيلة.
كنت واحدا من الذين كانوا إلى جانب علي جواد الطاهر حين توفاه الله ، ومشاركا في دفنه بجامع براثا إلى جانب زميله الدكتور علي الوردي، وحين قدّر له أن يعبر هكذا بحر آلامه ذات مساء صيفي من مساءات بغداد المشبعة بالحرارة ويصل إلى الشاطىء الآخر، وهو لا يحمل، مثل بقايا سمكة ملاح همنغواي الشيخ سانتياغو، غير هيكله الطويل الممدود كالحرف، والمجرّد كالكلمة الأولى، كانت الكتب وليس السرطان اللعين ،هي التي قتلته بعد أن امتصّت عصارته ونزعت عن روحه كلّ لحمها الحي، كما فعلت قروش البحر وكلابه مع سمكة الشيخ سانتياغو، ولكن بعدما منحته هذا الوهم الجميل بمجد لا يمكن أن يزول إلا بزوال مرحله طويلة تزيد على الخمسين عاما من عمر الأدب العربي الحديث في العراق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*(بمناسبة وفاة أستاذنا علي جواد الطاهر في مثل هذا اليوم 10/10/1996)، هو العنوان الذي ثبّته الكاتب، ولأسباب تتعلّق بزمن النشر، اخترنا ما نشرناه، لكنْ بالمضمون نفسه، ومن صميم أفكار المقال. لذا اقتضى التنويه، والاعتذار، لأستاذنا الناقد الكبير المرموق ضياء خضير.




