أدب

ظلالٌ تمشي في مرايا الذاكرة..إلى وليد سيف

**

في البدءِ
كانَ صدىً يتهجّى حروفًا يابسة
بينَ قشِّ القريةِ،
وسُحُبٍ تنامُ على التلال.
هناكَ،
حيثُ الفقرُ يزرعُ خبزَهُ في الطين،
ويُطعمُ الصغارَ قصائدَ من ملح،
ويسقي العطاشى من جرَّةٍ مثقوبة.
كانَ الوليدُ
طفلًا يفتّشُ عن نافذةٍ في العتمة،
يرسمُها بالعصافيرِ على جدرانٍ طينيّة،
ويكتبُ بالتراب:
أنَّ الوطنَ ظلٌّ لا يُمسكُهُ سوى الذاكرة.

**

ثمَّ انفتحتْ أبوابُ الغربة.
بوابةٌ الياسمينٍ([1]) تُهرَّبُ عبرَ الليل،
وفي كلِّ حجرٍ، مئذنةٌ تُصلّي
على أرواحٍ تكسَّرتْ في الطرقات.
هناكَ،
حملَ الوليدُ وجوهَ قريتهِ في حقيبةٍ من ورق،
وسارَ على جسرٍ مائيٍّ
يُفضي إلى جرحٍ أوسع من البحر.
الكتبُ التي التهمتْهُ
لم تكُنْ حروفًا جامدة،
بل مرايا تتكسَّرُ في داخلهِ،
فإذا بالأسئلةِ
تُصبحُ طيورًا سوداءَ
تنعقُ فوقَ رأسه.

**

وحينَ دخلَ حضنَ الحجارةِ العتيقة([2]
كانَ كمنْ يخطو إلى المرآة.
شوارعُها لُغزٌ من غبارٍ وحروفٍ ضائعة،
لكنَّهُ مدَّ يدَهُ
فأضاءَ الحروفَ بالدمع،
ونقشَ على بواباتِها:
أنَّ المسرحَ يُولدُ من الرماد،
وأنَّ الصوتَ
أقوى من سيوفِ الغزاة.
كتبَ وجوهَ الناسِ على الخشبة،
فصارتْ أسماؤُهم نارًا،
وصاروا يمشونَ
كأنَّهمُ التاريخُ وقد انبعثَ ثانيةً.

**

وعبرَ شرفةِ المتوسّطِ المضرّجة([3]
كانَ يسمعُ القصيدةَ
كأنّها بكاءُ مدينةٍ تحتَ القصف.
حيثُ الدمُ يقطرُ من النوافذ،
كانَ يلتقطُ القصيدةَ
كمنْ يلتقطُ رصاصةً ضائعة.
هنالكَ،
لم يعُد الشعرُ نشيدًا،
بل صرخةً في ليلٍ لا يسمعُ أحدًا.
كتبَ فلسطينَ
كأنَّهُ يكتبُ على جدرانِ قلبه،
وزرعَ في القصيدةِ
أجسادَ الشهداء،
لتنهضَ منها أشجارٌ
تحملُ أسماءً بلا قبور.

**

وفي الشاشةِ التي تشتعلُ بالحكاية([4]
أطلَّ كمنْ ينسجُ للناسِ ملحمةً،
يرويها بدمعٍ خفيٍّ.
صلاح الدينُ خرجَ من ظلام القرون،
وأبو جعفرٍ
أطلَّ من صحراءٍ تشتعلُ بالرماح.
لم يكنْ تمثيلًا
بل إعادةَ كتابةٍ بالدمع،
كأنَّ الشاشةَ
ساحةٌ أخرى من معاركِ الهوية.
كلُّ مشهدٍ كانَ نافذةً
على ذاكرةٍ لا تكتفي بالذكرى،
بل تنزفُ حتى تصيرَ حاضرًا.

**

على أجنحةِ الصوت،
كانَ يمشي على حافةِ الظل،
يكتبُ عن الغيابِ كأنَّهُ وطن،
وعن الوطنِ كأنَّهُ غياب.
المجازُ بيتُه،
والرمزُ غصنُه،
وكانَ يرى أنَّ الكلمةَ
ليستْ رصيفًا للراحة،
بل هاويةً،
من يقفُ عليها يرى الأرضَ تتشظّى
وتلدُ سماءً أخرى.

**

في بستانِ الحكاية،
كانَ أبًا يسقي أبناءهُ حروفًا
من ماءٍ وأمل،
ويعلّمهم
أنَّ الشاعرَ ليسَ من يكتبُ القصيدة،
بل من يسكنُها،
ويذوبُ فيها،
حتى يصيرَ جسدًا من كلمات.

**

الآن،
ها هو الطيفُ يمشي بلا ظلٍّ،
كأنَّهُ يتلمَّسُ وجوهَنا
في مرايا الحاضر.
لم يمت،
ولم يبقَ،
هو بينَ بين،
بابٌ يُفتحُ على باب،
وصوتٌ يذوبُ في أصواتٍ لا تُحصى.
قد يكونُ سؤالًا،
قد يكونُ نجمًا،
وقد يكونُ مجرّدَ أثرٍ
على جدارٍ لم يُكتَبْ بعد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1])  دمشق

([2]) مدينة عمّان

([3]) بيروت

([4]) مؤسسة الإذاعة والتلفزيون


 

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق