تحليل سياسي

“زيليكان” التركية في “بعشيقة” العراق..هل تتحوّل إلى “إدلب”  ثانية؟!

      لم يفاجئْ أحداً تحذيرُ المستشار العراقي، الموصلّي “زهير الجلبي” في حديثه للإعلامي “نجم الربيعي” من خطورة قاعدة “زيليكان” العسكرية التركية التي تجثم على صدر شماليّ شرق مدينة الموصل بمحافظة نينوى. الجلبي وصفها بأنّها “أدلب العراق”، أي أنّها يمكن أنْ تتحوّل “منطلقاً جولانياً” آخر، باتّجاه بغداد!.

      تماماً في 2014، السنة التي احتّلَ فيها إرهابيو “داعش” الموصل وما حولها، جرى تأسيس قاعدة “زيليكان” في ناحية بعشيقة، على مبعدة 17 كم من “أمّ الربيعين”، وبدعم حينئذٍ من “أثيل النجيفي” محافظ نينوى السابق، وأيضاً “بموافقات من حكومتي بغداد وأربيل”!. وتضمُّ القاعدة أكثر من 1000 جندي تركي، وحوالي 4000 مقاتل عراقي.

     أمّا المعلنُ من الأهداف التركية، فهو أنّ قاعدة “زيليكان”، تدرّب “قوات محليّة” لمحاربة الإرهاب، أي تنظيم ما سُمّي “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وأيضاً لملاحقة عناصر  “PKK“، أي حزب العمال الكردستاني، الذي تَعُدّه أنقرة منظمة إرهابية!.   

 تتعرّض “القاعدة العسكرية التركية” في بعشيقة بين آن وآخر، ومنذ سنة 2021 لهجمات صاروخية، توصَف بأنها من تدبير “فصائل مسلحة” موالية لإيران، لكنّها تعمل تحت مظلة “الحشد الشعبي”!. وفي سنة 2025 وحدها، ذكرت معلومات نُشرت على منصة “إكس” أنّ هجوماً بطائرة مسيّرة، استهدف القاعدة يوم 11 آذار الماضي.

    وكان التغيير المفاجئ في نيسان الماضي، عندما هدّد “أبو آلاء الولائي”، المُسمّى أمين عام كتائب سيد الشهداء، بمواجهة مباشرة مع القوات التركية في قاعدة “زيليكان”، مُتّهماً إياها بأنّها تُستخدم لأغراض التدريب والتجسّس على القوات العراقية.

     وقيل أيضاً في معلومات نشرتها منصة “إكس” إنّ القاعدة تُستخدم مركزاً لتدريب مجموعات مثل “درع كركوك”، و”حرس نينوى”، وتسليحها، ويُزعمُ أنها تضم عناصر بعثية، ونقشبندية، والتشكيك كذلك في أنها تضمُّ “إرهابيين” من جنسيات أفغانية وشيشانية!.

     فأينَ تكمن خطورة قاعدة “زيليكان” التركية، إذا “غَضَضْنا النظر” عن كونها “خرقاً” لسيادة العراق، فبلدنا ومنذ سنة الاحتلال الأميركي 2003، منتهكُ السيادة أميركياً وإيرانياً، وحتى كويتياً؟!..

    في البداية كانت التحسّبات تذهب مباشرة إلى الأطماع التركية بالموصل، فُينظر إلى التدخل العسكري التركي على أنه فصلٌ من فصول تعزيز “النفوذ في المنطقة”، دعماً لمشروع انفصال الموصل، لا لتكون هذه المدينة العربية العراقية العريقة، جزءاً من تركيا”، إنما لتُصبحَ “إقليماً مستقلاً” على منهج كردستان العراق، لكنْ تحت هيمنة النفوذ التركي!.

     ومثلما هناك مواطنون عراقيون “شيعة” كثيرون جداً، يرفضون التدخل الإيراني السافر في شؤون العراق، هناك مواطنون عراقيون “سُنّة” كثيرون جداً أيضاً يرفضون التدخل التركي السافر في قضايا البلد.  فما الذي استجدّ لكي تكون قاعدة “زيليكان” العسكرية التركية، مثيرة للتوتر السياسي والعسكري داخل البلد، لاسيما في بغداد، تماماً مثل “قاعدة جرف الصخر” القريبة من بابل، والتي توصف بأنّها “قاعدة استخبارية إيرانية” لا تجرؤ الحكومة العراقية نفسها على تحرّي دقّة ما يجري فيها، وهو الأمر ذاته حيال قاعدة “زيليكان”!.

  ليست بغداد وحدها، تخشى النفوذ العسكري التركي، فأربيل هي الأخرى تنظر إلى أنّ تعزيز هذا النفوذ، ربّما يتحوّل دراماتيكياً إلى دعم مشروع شيطاني، يهدف إلى “تقييد إقليم كردستان” من جهة الصراع التركي-الكردي، و”تقسيم العراق” أو في الأقل إنشاء مناطق نفوذ تشلُّ أي منهج للعمل باستمرار وحدة البلد!.

     الأمرُ تغيّر باتّجاه المزيد من التداعي، وبالتحديد بعد ماجريات “الانقلاب” ذي الطبيعة الاستثنائية في سوريا، وما جرى قبل ذلك ورافقه من تداعيات جسيمة التأثير، إقليمياً في غزة، ولبنان، وما هو جار حتى الآن من مفاوضات أميركية-إيرانية تشوبها التهديدات الانتقامية. نقول: الأمرُ تغيّر باتجاه النظر إلى قاعدة “زيليكان” التركية في بعشيقه على أنها “نقطة اشتعال” محتملة لصراع واسع النطاق بين عملاقيْ الإقليم تركيا وإيران على النفوذ في العراق، فأنقرة يمكن أنْ تدعم الحزب الديمقراطي الكردستاني، لتعقيد العلاقات بين أربيل وبغداد، ويمكن لطهران أيضاً أنْ تستخدم بغداد، لتعقيد العلاقات مع تركيا، ولو بإعطاء “تنازلات” لأربيل!.   

    إنّ الناظر الى قاعدة “زيليكان”، لابدّ أنْ يعدّها “ثغرة مخاوف” من توسّع عمليات انتهاك السيادة العراقية، وزعزعة استقرار البلاد، فالأتراك، كما الإيرانيون، وهم ذوو “أطماع تاريخية” في العراق، عثمانياً وفارسياً، يجدون أنفسهم –بذرائع شتّى- مؤهّلين لمزيدٍ من النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي، باستخدام حصان طروادة “الديني-المذهبي”، على حساب وحدة العراق، ووحدة مجتمعه، وخيراته!.  

مقالات ذات صلة