“بوحٌ سعيد” عشيّة عيد الميلاد المجيد..ورأس السنة المباركة..




مع إطلالة كلِّ صباح، تُمسك (الخالة عواشه) بعُدّةِ التسوّق، وأبرزها (علاگة) متواضعة، ومبلغاً من النقود. تقصدُ خالتنا السوق للشراء. ولم تدرِ أنّ هناك شخصية غير منظورة، تلاحقها في رحلتها الصباحية اليومية. ليس هذا فقط، بل إنّ تلك (الشخصية) صحفية، تسمع همسات (الخالة عواشه)، بل …وتسمع دقات قلبها عندما تتصاعد، كلما لمست أنَّ هناك ارتفاعاً في أسعار المواد، وتنقل كل ذلك إلى قراء (الجرايد)..وهنا المصيبة!!..كانت تلك الشخصية فعلية..من لحم..و..دم.
ففي عام 1970، لاحظ قراء جريدة (الثورة) أن هناك عموداً يومياً في صفحتها الأخيرة، يحملُ توقيع (أبو زيدون)، يتحدث إليهم كلَّ صباح..وباهتمام وإصرار يتابع الصحفي الحركة اليومية للأسعار، وخاصة المواد الغذائية المعروضة في السوق، وبالذات أسعار الخضروات..ويضع الرواية على لسان ربة بيت هي (الخالة عواشه).. وهي شخصية مفترضة!.
ولم يكن (أبو زيدون)، سوى الصحفي العراقي الراحل والشخصية الوطنية البارزة: يوسف متي.
لقد حلَّ (أبو زيدون) في جريدة الثورة في مطلع السبعينات ، شأنه شأن كوكبة من الأقلام الملتزمة والشخصيات البارزة في عطائها، بعد أن فتحت الجريدة جناحيها لتمنح الدفء والأمان والاستقرار لمن حاصره جليد الملاحقة والتشرد، ولمن ضاق بالقيود التي تكبّل الكلمة الحرة.
لقد وجدوا في الثورة الجريدة، الخيمة الوارفة الظلال. وهكذا كان (يوسف متي) عنصراً بارزاً في العائلة الصحفية عامة، وفي أسرة جريدة الثورة خاصة. وقد انتزع (أبو زيدون) هذا الموقع الطليعي بأخلاقه وتواضعه الجم، وجديته في العمل..مستنداً إلى ماض طليعي أيضاً في النضال الوطني.

ولد المرحوم (يوسف متى) في مدينة الموصل عام 1914. ومع والده وأخيه، حلّ في بغداد، حيث دخل مدارسها من الابتدائية وحتى كلية الحقوق. وقد تزوج، ورزق بابنه الأكبر (زيدون) الذي توفي وعمره سنتان. وقد رزق، لاحقاً، بابن أسماه (خلدون) وبابنتين. ويبدو أن تعلق العائلة بالابن المتوفى، جعلها، وجعل محبيها، يستمرون في نسبة يوسف متي، بكنيته (أبو زيدون)!.
وعندما تخرج في كلية الحقوق ؛ مارس المحاماة والترجمة، وعمل في الصحافة / ممارسة خاصة . وكان المرحوم ( يوسف متي ) منذ الثلاثينات ، من الرعيل الوطني البارز .
لذلك ضمته السجون والمعتقلات في عهود مختلفة، وترى العائلة والقريبون منها ، أنه أعطى من الوقت والجهد والعناء، لالتزاماته الوطنية والفكرية ، أكثر بكثير مما أعطى لعائلته. فقد افتقدت العائلة الحنان الأبوي والرعاية الأبوية المباشرة ، عندما كان عميدها يُعتقل أو يختفي بعيداً عن أعين الملاحقة، ولكنها تقبّلت ذلك، ولم تجعل منه عبئاً يؤثر في معنوياته .
وقبل نهاية الستينات، تعرّفتُ على الصحفي والشخصية الوطنية البارزة (يوسف متي)، كان التعارف واللقاء المباشر، تحت خيمة جريدة (الثورة) البغدادية، والتي فتحت جناحيها لتمنح الدفء لمن أوجع قدميه صقيعُ الملاحقة والتشريد والاضطهاد.
هناك تحت هذه الخيمة الوارفة الظلال، وتحت غصن أخضر من العشق للصحافة الملتزمة، كان لقائي الأول المباشر مع (أبو زيدون)، والذين عملوا معه، وعاشوا معه عن قرب، وجدوا لديه نفساً مرحة، وشخصية متّسمة بالبساطة والتواضع، وعرفوا فيه جدّية في العمل، والتزاماً بالكلمة الصحفية الصادقة والأمينة. لذلك خصصت له (هيئة تحرير جريدة الثورة) عموداً يومياً في صفحتها الأخيرة. وكان يكتبه بتوقيع (أبو زيدون)..وقد ركز كتاباته على الأمور اليومية للمواطنين، وكما ذكرنا قبل قليل، كانت (الخالة عواشه)، شخصيته الشعبية المفضلة والدائمة.

ومع أنّ الذين تماسّوا مع المرحوم (يوسف متي) قد وجدوا لديه قلماً سلس الكتابة..عنيف المعالجات إلا أنّ قليلين يعرفون عنه أنه من رواد القصة القصيرة. وفي حوارات معه، عرفنا منه أن شيخ القصصيين العراقيين الرواد، اسمه “محمود أحمد السيّد”!!.
حدّثنا (أبو زيدون) -وكنا نحضر سوية (المربد الثاني) في البصرة- عن هذا الرائد القصصي، ومنه أيضاً عرفنا لمحات عن إسهاماته الصحفية.
وبعد حياة مشتركة تحت خيمة (الثورة)، اقتربت منه نفسياً، افترقنا، حيث انتقل إلى جوار ربه في 17-2-1979، وشيّعته الأسرة الصحفية، وبالذات أسرة جريدة الثورة، بما يليق بأحد أعمدتها البارزين. وبوفاته خسرته عائتله مجدداً، بعد سنوات قليلة من الاستقرار، لمست فيها الدفء والرعاية.
وقام الأستاذ سليم السامرائي –مشكوراً- بجمع مختارات من قصصه، حيث نشرت عام 1979، تحت عنوان: يوسف متي..مختارات ومقدمة. وفي هذه المجموعة القصصية التي قرأتها سافرت فوق بساط سحري نحو تلك الأيام التي جمعتني مع القاص (يوسف متي). وبين سطور هذه المجموعة، كان الدفق الانساني والتلقائية المصحوبة بنفس موضوعي، مترع بالصدق.

لقد عايشتُ أبطال هذه المجموعة القصصية، وتعرفت عليهم عن قرب فخلال (16) قصة قصيرة، أتاح لنا القاص (يوسف) معايشة نماذج بشرية تعيش قرب قاعدة الهرم الاجتماعي، محاولة الصعود في خطوط متعرجة!!. وقد وفق القاص في حياكة نسيج اجتماعي، خيوطه الشفافية والانحياز للقيم الخيّرة.
وفي كتابه الموسوم: نشأة القصة في العراق، بين (1908-1939) يُدرج الدكتور (عبد الإله أحمد) قصتين للقاص يوسف متي. الأولى بعنوان سخرية الموت، وقد نشرت في مجلة (الحاصد) الصادرة في أيار عام 1932. والثانية بعنوان: حطام..وقد نشرت في مجلة (عطارد) الصادرة في آب عام 1834.
إنّ هذه المعلومات السريعة والمختصرة، توضح أن الصحفي المعروف والمناضل الوطني الذي دخل السجن عام 1937، هو أديب ذو إرهاصات إنسانية، عبرت عن جانب منها، قصصه القصيرة التي نشرت في أوقاتٍ متباعدة.
رحم الله الكاتب والانسان..يوسف متي





