بمناسبة مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام: “هذا السِّراجُ سَيَغْدُو وَطَنًا لِلنُّور”..


في البَدءِ…
كانَتِ الصَّحراءُ صَرْخَةَ فَراغٍ،
وكانَتِ الأرواحُ تُحاوِلُ أن تلتقِطَ مَعْنًى
من جدارِ الغَيْبِ.
اللَّيلُ طويلٌ،
والنَّجْمُ يَتَلَعْثَمُ في فَضاءٍ لا حَدَّ لهُ،
حتى انبثقَ من رَحِمِ الصَّمْتِ
وَميضٌ،
قالت لهُ الكائناتُ:
ها هو الوَعْدُ…
ها هو اليَقِينُ يُؤسِّسُ سَفَرَهُ في النُّور.
**
طِفْلٌ يَتيمٌ…
لكنَّ العالَمَ كانَ يتهيَّأُ لِيَحْمِلَهُ في حُضْنِ الغَيْب،
العصافيرُ كانت تُهَدْهِدُهُ بالمَعْنَى،
والرَّمْلُ يَرْسُمُ على قَدَمَيْهِ أسرارًا
لا يَقرؤُها إلّا الغَيْب.
يُمسِكُ القَمَرُ بأهدابِهِ
ويقولُ: “هذا السِّراجُ سَيَغْدُو وَطَنًا لِلنُّور.”
والصَّحراءُ تُخْفِي في صَمْتِها
نُبُوءَةً لا تُقال…
**
في سوقِ الظِّلال،
كانَ يَمشي نَقِيًّا،
كَأنَّهُ غَيْمَةٌ لا تُشْبِهُ الغَيْم،
يُسافِرُ في أخلاقِهِ
إلى ما وَراءَ حُدودِ البَشَر.
التِّجارَةُ عندَهُ
ليستْ قِسْمَةَ رِبْحٍ وخَسارَة،
بَل امتحانٌ لِلرُّوح:
كَيْفَ يَبقى الصِّدْقُ
يُعانِقُ القَمْحَ في المِيزان؟
كَيْفَ يَظَلُّ القَلْبُ
مُصَفّىً مِن أَوْحالِ الطَّمَع؟
كانَ النّاسُ يَرَوْنَهُ،
لكنَّهُم لا يَدْرونَ
أنَّ في صَمْتِهِ
مَجَرّاتٍ تَتَهَيَّأُ لِلإنْفِجار.
**
حينَ هَبَطَ الوَحْيُ…
اِرْتَعَشَتِ الحُرُوفُ،
واللَّيْلُ أفاقَ مِن غَيْبُوبَتِهِ.
جِبْرِيلُ كانَ يَزْرَعُ في قَلْبِهِ
حَديقَةً مِن “اِقْرَأ”،
لِتَنْمو مِنها أَشْجارُ المَعْنَى.
لم يَعُدِ الكَوْنُ كما كان،
فَفي عَيْنَيْهِ اِنْعَقَدَتْ مَرايا جَديدة:
مِرآةٌ تُحَدِّقُ في الغَيْب،
ومِرآةٌ تُشْفِقُ على بَشَرٍ تائِهِين.
الصَّوْتُ كانَ زِلْزالًا،
لكنَّهُ رَحْمَة،
والرِّسالَةُ كانَتْ شَمْسًا
تُعيدُ لِلأرْضِ تَرْتيبَ مَلامِحِها.
**
الهِجْرَةُ لَيْسَتْ خُطىً على الرَّمْل،
بَل عُبُورُ الوُجُودِ إلى مَعْنًى آخَر.
كَهْفٌ يَتَّسِعُ لِسِرٍّ كَوْنِيٍّ،
وعَنْكَبُوتٌ يَكْتُبُ على أَبْوابِ المُطارِدِين
قَصيدَةَ الأَمان.
الهِجْرَةُ جِسْرٌ،
يَمْتَدُّ مِن صَخْرَةِ الطّائِفِ الدّامِيَة
إلى مَدينَةٍ تُهَدْهِدُ الوَعْدَ
وتَجْمَعُ الغَريبَ بِأَخِيهِ.
كانَ الظَّلامُ يُطارِدُهُ،
لكنَّ النُّورَ يَفْرِشُ لَهُ طَريقًا
مِن نُجُومٍ لا تَنْطَفِئ.

**
المَعْرَكَةُ…
لَيْسَتْ حَديدًا يَتَصادَمُ،
بَل فِكْرَةٌ تُجَرِّدُ الباطِلَ مِن وَهْمِهِ.
الأرْضُ كانَتْ تَصْرُخُ،
والسَّماءُ تُبارِكُ أَنْفاسَ المُهاجِرِين.
في كُلِّ جُرْحٍ يَنْزِفُ،
كانَتْ شَجَرَةٌ مِن المَعْنَى تَنْمو.
وفي كُلِّ سَيْفٍ يُرْفَعُ،
كانَتِ الرَّحْمَةُ تُراقِبُ
أَنْ لا يُقْتَلَ إلّا الظُّلْمُ.
هوَ لم يَكُنْ يُقاتِلُ لِيَغْلِب،
بَل لِيُعيدَ لِلإنْسانِ
ذاكِرَةَ الضَّوْءِ.
**
حينَ دَخَلَ مَكَّة،
لم تَكُنْ راياتُ الدَّمِ تَتَقَدَّمُهُ،
بَل رايَةُ الغُفْران.
المَدينَةُ اَسْتَسْلَمَتْ لِصَوْتِ الحَنين،
والكَعْبَةُ اَغْتَسَلَتْ بِالدُّمُوع.
لم يَأْتِ لِيَمْحو وُجوهًا،
بَل لِيَمْحو ظِلالًا مِن حَجَر.
حَتّى الأصْنامُ،
كانَتْ تَرْتَعِشُ قَبْلَ أَنْ تَسْقُط،
وكَأَنَّها تَعْتَذِرُ
لِأَنَّها أَعْمَتْ أَبْصارَ العابِدِين.
الفَتْحُ لم يَكُنْ فَتْحَ جِدارٍ،
بَل فَتْحَ قَلْبٍ
لِيَنْبُضَ بِالعالَمِ كُلِّهِ.
**
هوَ لم يَكُنْ نَبِيًّا لِلْعَرَبِ وَحْدَهُم،
بَل نَبِيًّا لِلْفَراغِ المُمتَدِّ خَلْفَ المَجَرّات.
الرَّحْمَةُ الَّتي خَرَجَتْ مِن قَلْبِهِ
لم تَتَوَقَّفْ عِندَ حُدودٍ،
بَل اِتَّسَعَتْ لِتُطَوِّقَ
الجَماداتِ والنَّباتاتِ والأَنْفاس.
هوَ الكَلِمَةُ الأَخِيرَةُ لِلسَّماء،
والبِدايَةُ المَفْتُوحَةُ
لِكُلِّ بَحْثٍ عَنِ المَعْنَى.
لم يُوَرِّثْ ذَهَبًا،
بَل أَوْرَثَ طَريقًا مِن نُور،
مَنْ سارَ فيهِ
رَأى نَفْسَهُ،
ورَأى الله.
**
يا مَوْلِدَ النُّور،
يا سَفَرًا يَكْتُبُهُ الأَبَدُ بِحِبْرٍ لا يَنْفَد،
يا نَبِيًّا حَمَلَتْهُ الصَّحراءُ
فَأَضاءَتْ وَجْهَ الأَرْض،
ويا إِنْسانًا
فيهِ اِلْتَقَتِ السَّماءُ والأَرْضُ على مِيثاقٍ خالِد.
كُلُّ عِيدٍ لِمَوْلِدِكَ
لَيْسَ اِحْتِفالًا بِالزَّمَن،
بَل اِنْحِناءَةُ رُوحٍ
تَسْتَعيدُ لَحْظَةَ البَدْءِ،
حينَ أَشْرَقَ النُّورُ
وَصَرَخَتِ الكائِناتُ:
ها هوَ الوَعْدُ،
ها هوَ اليَقِين.





