قصيدة للشاعر حميد سعيد و”قراءة” للكاتبة لهيب عبد الخالق









هذه الثنائية لا تعمل كزخرفة بلاغية بين الخراب والجمال، بل تكشف لحظةً يتشقق فيها الزمن داخل النص، حيث يتجاور زمنان في آنٍ واحد: زمن حاضرٍ تتجسد فيه المدينة كفضاء للحريق والانهيار، وزمن آخر ينهض من الذاكرة بوصفه فردوسًا ثقافيًا وروحيًا. بهذا المعنى لا تعود القصيدة روايةً عن الماضي، بل تصبح زمنًا مصغّرًا تتجاور داخله طبقتان زمنيتان تعملان وفق منطق الانشطار.
ويظهر هذا الانشطار بوضوح عندما يستدعي النص أصوات الغناء اللبناني التي شكّلت ذاكرة بيروت الثقافية: وديع الصافي، نصري شمس الدين، فيروز، والأخوين رحباني. إن حضور هذه الأسماء لا يُقرأ بوصفه استحضارًا تاريخيًا أو توثيقيًا، بل بوصفه ظهورًا لطبقة زمنية أخرى داخل النص، طبقة تحافظ على صورة المدينة الفردوسية التي كانت ذات يوم مركزًا للغناء والشعر واللقاءات الثقافية. هذه الذاكرة الفنية تؤدي داخل القصيدة وظيفة برزخية؛ فهي الجسر الذي يسمح للتوتر بين الزمنين بأن يستمر دون أن ينهار. فالغناء هنا لا يستعاد كذكرى عابرة، بل كقوة رمزية تحفظ صورة بيروت الأخرى داخل الوعي، بحيث يظل الفردوس الثقافي قائمًا ولو في هيئة ظلٍّ يقف مقابل بيروت الحريق. وهكذا يعمل الفن بوصفه برزخًا يحفظ التوازن بين زمنين: زمن المدينة التي كانت فضاءً للورد والنضار، وزمن المدينة التي صارت مسرحًا للنار والدم.
كن هذا البرزخ لا يظل ثابتًا طوال النص، بل يبدأ بالتصدع عندما يطرح الشاعر سؤاله المركزي: «فلماذا استبدلت الأبهى في الأرض جحيماً سيكون بفردوس كان؟». في هذه اللحظة ينتقل النص من حالة التوتر بين الزمنين إلى لحظة انقلاب، حيث يتكشّف الانشطار بوصفه تجربة وجودية لا مجرد مفارقة جمالية. فالفردوس لم يعد قادرًا على موازنة الحريق، والذاكرة لم تعد كافية لإيقاف انهيار الصورة القديمة للمدينة. وتبدأ القصيدة منذ هذه النقطة في بناء عالمين متوازيين: بيروت الواقعية التي تتساقط فيها الجدران فوق مهود الأطفال وتقترب فيها أنهار الدم من مقاهي الحمراء، وبيروت أخرى تستمر في الذاكرة بوصفها مدينة الشعراء والعشاق وسهرات الجبل وأغاني الليل. إن النص هنا لا يصف مدينتين منفصلتين، بل يكشف انقسام المدينة الواحدة إلى صورتين زمنيتين تعيشان في آنٍ واحد داخل الوعي الشعري.

ومن هنا يتخذ الانشطار بعدًا نفسيًا واضحًا، إذ يظهر الشاعر بوصفه ذاتًا تعيش هذا الانقسام الداخلي بين صورة المدينة التي عرفها وصورة المدينة التي يراها الآن. فالأسئلة المتكررة داخل القصيدة لا تبحث عن تفسير سياسي أو تاريخي للخراب، بل تعبّر عن صدمة وجودية أمام تحوّل الفردوس إلى جحيم. إن الذات الشعرية تبدو كمن يقف في نقطة وسطى بين زمنين: زمنٍ مضى لكنه ما يزال حيًا في الذاكرة، وزمنٍ حاضرٍ يفرض صورته القاسية على الواقع. وهكذا تصبح القصيدة مرآة لذات منشطرة تعيش بين طبقتين من الزمن، بحيث لا يعود الماضي مجرد ذكرى، بل يظل حاضرًا كظلٍّ موازٍ للحاضر.
ويتسع هذا الانشطار ليأخذ بعدًا حضاريًا حين تتحول بيروت داخل النص إلى رمز لمدينة مزدوجة التاريخ: مدينةٍ كانت مركزًا ثقافيًا وروحيًا في العالم العربي، ومدينةٍ أخرى تبتلعها الحروب والانقسامات. هنا لا يتحدث النص عن حادثة عابرة في تاريخ مدينة، بل عن انكسار حضاري يتجلى في صورة المكان نفسه. فبيروت التي كانت ملتقى الشعراء والموسيقيين تبدو الآن مدينةً تتصدع بنيتها الإنسانية. بهذا المعنى تتحول المدينة إلى علامة على تاريخٍ مزدوج يعمل وفق منطق الانشطار: تاريخٍ مضيء يستمر كذاكرة، وتاريخٍ مظلم يفرض نفسه كواقع.
ولا يتجلى هذا الانقسام في مستوى المعنى وحده، بل يظهر كذلك في جسد اللغة الشعرية نفسها. فالإيقاع يتنقل بين نبرة غنائية تستعيد عالم الأغنية الرحبانية ونبرة مأساوية تقترب من لغة الرثاء، كما تتكرر بعض العبارات مثل “من وردٍ ونضار” لتعمل كصدى بعيد لصورة الفردوس المفقود. وفي بعض المواضع تتجاوز اللغة وظيفتها الوصفية لتصبح بوابةً إلى طبقة ظلّية أعمق، كما في الصورة التي تخرج فيها الأنهار من عزلتها وتقرأ ما كتبه الشعراء على الماء. هنا لا تعود الكلمات مجرد علامات لغوية تشير إلى حدث أو مكان، بل تتحول إلى نقاط توتر تكشف اشتغال الزمن النصي بوصفه زمنًا منشطرًا، حيث تتجاور الصور الواقعية والرمزية لتشكّل فضاءً تتداخل فيه الذاكرة مع الحاضر.





