أدب

العمر ليس سنواتٍ نعدُّها.. نحن لا نكبُر..نحن نقترب

 

  كلنا جئنا من الطريق نفسه ، من رحم لا يفرق، من اب وام لم يختر أحد منا ملامحه ولا اسمه ولا المكان الذي ولد فيه. نولد متساوين، عاجزين، نصرخ ونحن لا نعرف لماذا؟ ولا ندري الى اين نحن ذاهبون؟.

  نولد، وسهم الموت قد انطلق. لا ضوء يُحذِّر، لا صوت ينبِّه، لكنه انطلق. العمر ليس سنوات نعدها، بل هو ببساطة المدة التي سيقطعها هذا السهم ليصيبنا. كل خطوة نخطوها، هي اقترابٌ، كل نَفَسٍ نتنفسه هو تناقص. نحن لا نكبر، نحن نقترب.

ومع ذلك، نعيش وكأننا خالدون. نتقاتل على المال، نكذب من أجل المناصب، نخون لأجل الشهوات، نحقد لمجرد الاختلاف، نؤذي وكأننا لن نحاسب، نعيش وكأن القبر لا ينتظرنا عند أول منعطف.

يا ترى       

 لو كان الانسان يعلم اليوم الذي سيموت فيه، الساعة، اللحظة، الدقيقة… هل كان سيعيش بالطريقة نفسها؟

 هل كان سيتحدث بالقسوة نفسها؟    

 هل كان سيكذب، يخدع، يسرق، يغدر، يرفع صوته على أمه، يؤذي زوجته، يطرد جاره، يضحك على الضعفاء؟

 هل كان سيبني مجده على جثث الآخرين، وهو يعرف أنه في يوم محدد… سيتوقف كل شيء؟

   المؤمن والملحد، التقيّ والعاصي، المتواضع والمتكبر… جميعهم سيتساوون هنا. الجسد واحد، القبر واحد، التراب لا يميز أحداً. لا أحد يأخذ معه شيئاً. لا ذهب، لا سلطة، لا أوسمة، لا شهرة، لا متابعين، ولا حتى هاتف.

لكن بعد هذه الأرض… هناك حياة أخرى   

حياة لا تعرف المجاملة، ولا الظلم، ولا العبث

هناك يظهر العدل كما لم نعرفه من قبل

هناك يفترق الطريق

من عاش بالإيمان، ولم يكن كاملاً لكنه حاول، وتعب، وندم، وسأل، وسجد، وتصدق، وعفا… لن يكون مثل من عاش يستهزئ، ويتكبر، وينكر، ويؤذي، ويظن أن الله غائب.

في الدنيا نحن متساوون في الجسد، متشابهون في المصير، لكننا مختلفون في الاختيار، ومصيرنا هناك لن يكون واحدا.

ولعل أكثر لحظة تفضح حقيقتنا، هي لحظة الموت

في لحظة واحدة، يتوقف كل شيء

المنزل يصبح صامتاً، العيون تدمع، الأصوات تخفت، والأقرباء يتجمعون حول جسد لا يسمع، لا يتحرك، لا يرد

لكن الأعجب من هذا كله، أنَّ الإنسان في أول لحظات موته يرى حياته كلها

يراها كفيلم سريع، متصل، لا تقطيع فيه

كل لحظة، كل كلمة، كل موقف

يرى كل شيء وكأن الزمن انضغط في ثوان قليلة

ولو سألته: هل رأيت هذه اللحظة؟ او تلك الخطيئة؟ او ذلك الفرح؟

لأجابك: نعم، رأيتها كلها… لكن لا اعرف كيف

وهنا تكمن الدهشة

ثم ينظر حوله

يرى من يبكون عليه

يرى وجوه احبته، دموعهم، ارتباكهم، دعواتهم، لكنه لا يستطيع أنْ يرد

يحاول أنْ يتحدث، يصرخ، يشير، لكن لا أحد يسمع،

لا أحد يلتفت

ثم يودعونه

يغلقون النعش

يرفعونه على الأكتاف

يذهبون به الى حيث لا عودة

ويتركونه وحيداً… في بقعة صغيرة من الأرض، بلا صوت، بلا رفيق، بلا حركة

هنا فقط، تبدأ الحقيقة .

سهم الموت انطلق… وما زال يقترب

فماذا ستفعل قبل أنْ يصيبك؟

مقالات ذات صلة