ثقافة

العراق: حين يُستهان بالعلم ويُحتفى بالخرافة..

      بلد الألواح الطينية، وبيت الحكمة، ومهد الأدب والفلك، ينحدر إلى زمن تُستبدل فيه المعرفة بالتعويذة، ويُستفتى فيه رجل دين بدل المُفكر، وتلجأ المرأة إلى “المعالجة الروحية” لطرد النحس من بيتها مستنجدة بوهم “الخلاص الغيبي”، بينما اطفالها بلا مدرسة ولا كهرباء ولا ماء نظيف. ففي هذا البلد، تُحَلُّ المعضلات السياسية عبر “قسَم الولاء…..” لا بموجب الدستور.
    الخرافة لم تعد هامشاً اجتماعياً، بل تحوَّلت إلى منظومة سلوكية، وإلى تديِّن مشوَّه يخلط بين الإيمان والمصلحة، بين الروحانية والمصلحة، بين الدين الحق والطقس المسرحي. في عراق اليوم، تُباع حرزات زرقاء وكتبٌ بعنوان “الطلاسم الربانية للرزق والزواج والسلطة”. ولم تعُد التعاويذ تُهمس في زوايا البيوت، بل تُذاع على الشاشات، وتُعلَّق على الجدران، وتُقدَّم للناس يُنظر إليها كعلاجٍ للفقر والمرض والفشل والخيانة.
    تسأل الفتاة عن نصيبها فتُعطى رُقْية (مجموعة تعاويذ).
   يخسر الشاب فرصته فيُقال له: لقد طالك السحر.
يبحث العاطل عن وظيفة، فيُنصح بربط حرز (خيط) في معصمه.
  هكذا يُغتال الفعل، ويُقتل الأمل على يد المجهول والمستور، ويُبرر العجز بالقدر المغلَّف بالجهل.
يحدث هذا، حين يُغلق باب المدرسة ويُفتح باب “المعبد” بلا ضوابط، حين يُهمش المعلم ويُقدَّس “الأُمِّي”، حين تُرَّبى الأجيال على الخوف لا على السؤال، فماذا ننتظر؟
      كثيرون يرَّوجون لهذه الطقوس لأنها تُخدِّر، لا تُفكِّر: لأنها تُشغل الناس بآخرتهم عن مساءلة حاضرهم. الفقر يُولد اليأس، واليأس يحتاج عزاء، والعزاء يُقدَّم على شكل “زيارة” و “نذر” و “عقد” و “نية”، في دورة مغلقة لا تنجب وعياً، بل استسلاماً.


   الخرافة ليست مجرد نتاج ضعف عقلي، بل نتيجة مركّبة من الخوف من المجهول، والنقص في الوعي، والبيئة المشجعة والحاجة النفسية العميقة للتفسير والمعنى. تتوارثها الأجيال ضمن منظومة ثقافية و دينية، تُقدَّم أحياناً على أنها “حقائق مجرَّبة”، أو جزء من الهوية، فيصعب نقدها أو التشكيك بها.
   ومواجهة هذا التعلُّق لا تكون بالسخرية، بل بنشر التعليم، وتعزيز التفكير النقدي، وتوسيع الفهم العلمي للظواهر. فالعراق الذي تبلغ فيه نسبة الفقر 19.5 في المئة، رغم تصنيفه في المرتبة 107 عالمياً والثامنة عربياً بين أغنى الدول، يعاني من اختلالٍ فادح بين الثروات والوعي.
    ما يجري في العراق هروبٌ من واقع يزداد قسوةً، لا يجد فيه الناس من يربِّت على أكتافهم سوى رماد التاريخ، وظلال القدِّيسين تظهر فيه شخصيات تدَّعي “فتح النصيب” و “رد السحر” و “حل المربوط”، بينما تغيب البرامج التعليمية والعلمية، وتُهاجم الجامعات والمناهج بوصفها ” تشكيكاً بالعقيدة”.
     هل كُتب على العراق أن ينتقل من سومر وأكد وبابل وآشور، إلى فتوى وحرز وعباءة؟
من حمورابي إلى خرقة تُرَّش بالماء وتُعلَّق على المرآب؟
من الخوارزمي إلى من يقرأ على الماء ليُشفي الموبايل من العين؟.
لا خلاص إلاَّ بالعلم..
ولا كرامة دون وعي.
ولا نهضة لمن يعيش على هامش العقل.
    هذا الوطن، الذي علَّم العالم كيف يكتب، يستحق أن يقرأ نفسه من جديد، قبل أن تتحوَّل ألواحه إلى تعاويذ، وذكراه إلى تراجيديا دائمة.
    عندما تتفشى الأمية في بلدٍ ذي تاريخ عريق، فإنها لا تكون مجرَّد ظاهرة تعليمية، بل جرحاً في الذاكرة، وخيانة لقرونٍ من التراكم الحضاري، تنهار معها القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، بين المعرفة والتلقين، بين الإيمان والتسليم الأعمى.


     الأمية ليست فقط في عدم القدرة على القراءة والكتابة، بل في العجز عن السؤال، عن الشك، عن التفكير. حينها يسهل استغلال الناس بالدجل والشعوذة، ويُضَلَّل الناخب بالشعارات الطائفية الخادعة، ويزداد العنف المجتمعي بسبب الجهل، وتتراجع مكانة المرأة حين تُربط التقاليد بالتخلف.
    يُقدَّر أن هناك 3.2 مليون طفل خارج مقاعد الدراسة، بسبب الفقر والنزوح وعدم كفاية البنية التحتية، وتشير نقابة المعلمين (آذار 2025) إلى وجود نحو 10 ملايين أميّ، أي ربع السكان. وتبلغ الأميَّة في الريف نسباً تتجاوز 30 بالمئة.
     وقد اسهمت عوامل عدَّة في تفاقم الأمية: النزاعات، التهجير، الأزمات الأقتصادية، البُنى التحتية المتهالكة، ونقص التمويل، حيث لا تتجاوز مخصصات التعليم في بعض السنوات 5.7 بالمئة من الميزانية. كما تعمقت الفجوة بين الجنسين في التعليم، خاصة في الأرياف.
     وبسبب الجهل بالإجراءات الوقائية، تنتشر الأمراض، ويزداد اللجوء إلى المشعوذين بدل الأطباء، ما يفاقم سوء التغذية وانعدام الوعي الصحي.
    وحين تسود الخرافة، تضعف القدرة على التمييز، ويُستبدل العقل بالأسطورة، والعلم بالتنجيم. وتُفسَّر المصائب بالعين والسحر والغضب الإلهي، لا بالفساد وسوء الإدارة والتخطيط. يُغتال المنطق على أعتاب أول “زار” (أشباه الطقوس الشعبية)، وتُطعن التجربة في قلب أول “شيخ” يُفتي بما يُرضي الجهل.
     ثم يُصبح انتظار “الذي يأتي ولا يأتي” هو المخرج الوحيد. المخلِّص، المُنقذ،……. أيقونة تُغذَّي الصبر وتقتل الفعل، فيصبح الانتظار بديلاً عن العمل، والوهم بديلاً عن المشروع، والحلم المؤجل ذريعة للهروب من الحاضر.
       في مثل هذا الواقع، لا يُهزم الشعب إلاَّ حين يقتنع أن الهزيمة قدر، وأن النهوض معجزة، وأنه لا فائدة من السعي دون منقذ. عندها فقط، يُصبح التاريخ زخرفة على جدران مهملة، وتُدفن الحضارات، لا لأن العدو أقوى، بل لأن العقل قد انكفأ، واستقال.


      العراق لا ينهض بالتعاويذ، ولا يُبنى بالأحجيات، بل بالمناهج. لا يتقدم بالزيت المبارك ولا بالعباءة الدينية، بل بالعقل والعدالة. المعركة الحقيقية ليست فقط ضد الفساد والطائفية، بل ضد ثقافة الخنوع والخرافة، تلك التي تُغرق العقول، وتغذيها قوى باسم الدين.
     العلم يُبنى على الأدلة والمنهج، أما الخرافة فتنمو على المعتقدات غير المثبتة والأساطير التي تنتشر دون أساس عقلاني أو تجريبي.
    في بلد تحولَّت فيه الهوية المذهبية من مكوّن ثقافي إلى مشروع سياسي، صار الولاء للطائفة فوق الولاء للوطن، وفُكِكُ المجتمع إلى “نحن” و “هم”، أُعيد تشكيل التاريخ وفق سرديات طائفية، فتعمق الانقسام، وصارت المصالحة الوطنية أبعد منالاً.
      في العراق، الطائفية ليست مجرد ظاهرة اجتماعية، بل هي مشروع سياسي قائم على الانقسام، عمَّق الأزمات، وأضعف الدولة. والخروج من هذا النفق لا يكون إلاَّ ببناء دولة المواطنة، لا المحاصصة؛ دولة تستند إلى الكفاءة لا الولاء، وإلى الوحدة لا الطائفة.
     إنها لعمري، معركة وعي، لن تُحسم إلا بإعادة الاعتبار للعلم والعقل، وللدين كقيمة أخلاقية وروحية، لا كبضاعة تُباع في أسواق السياسة والدجل.

مقالات ذات صلة